شاهد| غزة بريشة طفل: عندما يوثّق محمد حكاية النزوح والمجاعة بقلم رصاص

نشرت في 08 سبتمبر 2026 05:30 م

مارلين أبو عون - غزة - وكالة خبر

https://khbrpress.ps/post/434961

في قلب المعاناة التي يمر بها قطاع غزة، ومن بين ركام البيوت وأصداء القصف المتواصل، تبرز حكاية الطفل محمد عبد الله حجازي، ابن العشر سنوات، الذي أخذ على عاتقه أن يحكي حكاية غزة الكبيرة من على ورقته الصغيرة.

من رغد الحياة إلى مرارة النزوح

قبل أهوال الحرب، كان محمد يحيا حياة مرفهة وهادئة في بيته بمخيم جباليا. كان والده عبد الله يعمل موظفاً في شركة الاتصالات "جوال" (وهو أحد الموظفين الـ50 الذين طالهم الفصل لاحقاً)، يوفر كل ما يحتاجه طفل في السابعة من عمره حينها. ولكن مع اندلاع الحرب، انقلبت حياة العائلة رأساً على عقب؛ فُقد البيت، وشاهد محمد أهوال الحرب ومظاهر الاحتلال بأم عينه أكثر من مرة، وعاش مرارة النزوح المتكرر من شمال القطاع وصولاً إلى مخيمات النصيرات وسط القطاع، بجوار المدرسة الماليزية بالقرب من الوادي.

لم تكن المعاناة مجرد نزوح، بل امتدت لتشمل قسوة المجاعة وطوابير المياه، حيث كان يتوجب على محمد أن يذهب مع إخوته لجلب الماء، وهي مشاهد حُفرت في ذاكرته الغضة.

ولادة الموهبة من رحم الأزمة

في بدايات الحرب وأيام المجاعة الأولى، بدأ محمد يمسك بقلم الرصاص وبأدوات بدائية كدفتر عادي، لينقل ما يراه من مشاهد أليمة. يقول والده: "في البداية لم أنتبه كثيراً، فالواحد منا كان مشغولاً بظروف النزوح والنزوح المضاد، وقلت طفل صغير يرسم لتمضية الوقت". لكن الرسم لم يكن لمحمد مجرد تسلية، بل كان متنفساً وجدانياً وجسدياً؛ فقد كان جسد محمد يضعف وتتردى صحته تحت ثقل الخوف والظروف القاسية، ولكن بمجرد أن بدأ يفرغ ما بداخله عبر الرسم، عادت إليه صحته ونشاطه، ليصبح الرسم ملاذه الآمن للتعافي النفسي.

المدرسة الماليزية واللجنة المصرية: نقطة التحول

حين استقرت العائلة في النصيرات، انضم محمد إلى المخيم الصيفي الذي أقامته اللجنة المصرية في المدرسة الماليزية. هناك، انتبه القائمون على الأنشطة إلى موهبته الاستثنائية في الرسم والرياضة. وفروا له طاولة خاصة وألواناً خشبية وأعطوه المساحة الكافية ليخرج كل ما يفيض وجدانه دون فرض معلم أو توجيه قياسي، فصار ينتج يومياً ثلاث إلى أربع لوحات.

وتوجت هذه الرعاية بإقامة معرض لرسوماته في المدرسة. وازداد اهتمام اللجنة المصرية بموهبته، ثم حظي بتشجيع كبير خلال لقائه بالصحفي المصري أحمد جمعة. ذلك اللقاء التأثيري جعل الدموع تتجمع في عيني محمد من شدة الفرح والامتنان، وأعطاه دفعة معنوية هائلة، فاختلف أسلوبه وأصبح أكثر تدقيقاً في التفاصيل والظلال.

صوت ينادي العالم

لم يكتفِ محمد بالرسم داخل خيمته، بل أنشأ له والده صفحة على منصات التواصل الاجتماعي بعنوان "غزة بريشة طفل" لينشر عليها رسوماته وخواطره التي يكتبها بكلمات مؤثرة. يعكس محمد في رسوماته كل تفاصيل الحياة اليومية تحت الحرب:

التكية والمجاعة: يوثق طوابير الأطفال والأهالي وهم يحملون الأواني الخاوية ينتظرون وجبة الطعام، كاتباً: "رسمت اليوم التكية لأن هذا المشهد أصبح من حياتنا اليومية.. أتمنى أن يأتي يوم لا يحتاج فيه أي طفل أن يقف ينتظر وجبة".

WhatsApp Image 2026-09-05 at 7.25.44 PM

 

أزمة المياه: يجسد شاحنة المياه ("غزة عطشانة") والأطفال يحملون الجالونات الثقيلة في طوابير الانتظار المضنية.

WhatsApp Image 2026-09-05 at 7.25.42 PM (1)
 

البيت والأمان: يرسم البيوت المدمرة والخيام وطائرات الورق المحلقة بعلم فلسطين، معبراً بكلمات تخاطب الوجدان، يقول محمد: "كنت أعتقد أن البيت هو الجدران والسقف، لكنني اكتشفت أن البيت هو الأمان وصوت أمي وأبي.. أنا لا أريد أن أكون قوياً طوال الوقت، أنا أريد أن أكون طفلاً فقط".

 

رمزية الصمود: رسم كائناً يرفع رأسه إلى السماء رغم الجروح التي تنزف باللون الأحمر، مؤكداً أنها تشبه غزة التي تتألم وتنجرح لكنها لا تنحني.

WhatsApp Image 2026-09-05 at 7.25.44 PM (2)
 

ولا تقتصر موهبة محمد على توثيق الواقع الأليم؛ فهو يستطيع ببراعة نقل أي صورة خارجية أو شخصية كرتونية كـ"سبونج بوب" و"الكاريكاتير" بدقة متناهية وطبق الأصل بمجرد النظر إليها.

مناشدة أمل من قلب الخيمة

على الرغم من انتهاء أعمال المخيم الصيفي ومضي محمد في الرسم مستخدماً ما تبقى لديه من أدوات بسيطة داخل خيمته بالنصيرات، يبقى العائق الأكبر هو البُعد الجغرافي وصعوبة تنقل طفل في العاشرة من عمره بمفرده للالتحاق بمراكز تدريبية بعيدة، فضلاً عن الظروف الاقتصادية الصعبة التي تعيشها العائلة.

يرسل والد محمد، الصابر برغم ظروف فصله من عمله وضيق الحال في الخيمة، رسالة إلى كل الجهات المعنية والمؤسسات الفنية: "كل ما أتمناه هو جهة أو مركز متخصص يتكفل بموهبة محمد، يوفر له دورات في الخطوط والتباين والتقنيات الفنية، ليقفوا معه وينموا مهارته التي تشهد على حكاية غزة بصوت طفل يحلم بالسلام والأمان".

8, 2026

8, 2026

WhatsApp Image 2026-09-05 at 7.25.42 PM
WhatsApp Image 2026-09-05 at 7.25.42 PM (2)
WhatsApp Image 2026-09-05 at 7.25.43 PM
WhatsApp Image 2026-09-05 at 7.25.43 PM (1)
WhatsApp Image 2026-09-05 at 7.25.43 PM (2)
WhatsApp Image 2026-09-05 at 7.25.44 PM (1)
WhatsApp Image 2026-09-05 at 7.42.56 PM
WhatsApp Image 2026-09-05 at 7.42.56 PM (1)
WhatsApp Image 2026-09-05 at 7.42.57 PM
WhatsApp Image 2026-09-05 at 7.42.57 PM (1)
WhatsApp Image 2026-09-05 at 7.42.58 PM
WhatsApp Image 2026-09-05 at 7.42.58 PM (1)
WhatsApp Image 2026-09-05 at 7.42.58 PM (2)