بقلم: وليد العوض

في غزة: حين تخرج الطائرة الورقية من تحت الركام

نشرت في 23 أغسطس 2026 11:22 م

بقلم: وليد العوض

غزة - وكالة خبر

https://khbrpress.ps/post/434327

كتب: وليد العوض

في غزة، لم يعد للأطفال بيتٌ يعودون إليه، ولا سماء للعب.
هدم الاحتلال بيوتهم، ودفن تحت الركام غرفهم الصغيرة، وكتبهم المدرسية، ودُماهم وألعابهم التي كانوا يظنون أنها ستبقى معهم طويلاً. دفن معها شيئاً أكبر من الألعاب؛ دفن أحلاماً صغيرة كانت تكبر كل يوم، وأحلاماً كبيرة كانت تنتظر أن تكبر معهم.
وحين خرجوا من تحت الركام، لم يجدوا سوى الخيام.
لكن الخيام لم تكن ملاذاً آمناً أيضاً. لاحقتهم صواريخ الاحتلال إلى أماكن النزوح، وطاردتهم القوارض والجوع والعطش والبرد والحر، حتى بدا أن الموت في غزة لم يعد يحتاج إلى عنوان.
وعلى شاطئ غزة، حيث كان الأطفال يركضون خلف الموج، مزقت صواريخ المسيرات أجسادهم، وحولت بعض أجيال الغد إلى أشلاء متناثرة على الرمل.
ومع ذلك، بقي شيء واحد لم يستطع الاحتلال دفنه تحت الركام: خيال الطفل.
خرجت من بين الخيام طائرات ورقية صغيرة، ملونة، خفيفة، تشبه أحلام أصحابها. ارتفعت في سماء غزة، كأن الأطفال أرادوا أن يقولوا للعالم: نحن ما زلنا هنا.
طائرة ورقية!
كانت أحياناً تسقط بين الخيام، فيلجأ إليّ الأطفال لمساعدتهم في استعادتها. كنت أفعل ذلك بكل حب، وأراقب فرحتهم وهم يستعيدون لعبتهم الصغيرة، كأنهم استعادوا شيئاً من حياتهم التي سرقتها الحرب.
مجرد طائرة من ورق وخيط، يصنعها طفل من بقايا ما يستطيع العثور عليه، ويربط بها حلماً صغيراً بالسماء.
لكن يبدو أن الاحتلال، الذي يمتلك الطائرات الحربية والمسيرات والصواريخ والدبابات، وجد في هذه الطائرات الورقية ما يستحق الاستنفار!
اليوم، أصدر وزير الحرب الإسرائيلي يسرائيل كاتس توجيهاته للجيش بالتحرك «بقوة» ضد إطلاق الطائرات الورقية من قطاع غزة، بعد رصد عدد منها في الأيام الأخيرة. والمفارقة أن التقارير الإسرائيلية نفسها أشارت إلى أن تلك الطائرات، التي قذفتها الرياح شرقاً، لم تشكل خطراً على السكان.
أيُّ خوف هذا الذي أصاب دولة تمتلك واحدة من أقوى الجيوش في العالم من طائرة ورقية؟
وأيُّ معركة هذه التي تستدعي الجيش والطائرات والسلاح لمواجهة لعبة طفل؟
إنها ليست معركة مع الطائرة الورقية.
إنها معركة مع المعنى الذي تحمله.
فالطائرة الورقية تقول إن الطفل الغزي، رغم كل ما جرى له، ما زال يحلم، وما زال يرفع رأسه نحو السماء.
تقول إن الركام لم ينجح في قتل الخيال.
وتقول إن الخيمة، مهما كانت ضيقة، يمكن أن تفتح نافذة إلى السماء.
وتقول، قبل كل شيء، إن شعباً حاصره الموت من كل الجهات لا يزال قادراً على صناعة شيء جميل.
لهذا يخاف الاحتلال.
يخاف من الطائرة الورقية لأنها تفضح اختلال ميزان القوة: جيش مدجج بالسلاح في مواجهة طفل يحمل خيطاً وقطعة ورق.
ويخاف منها لأنها تذكّر العالم بأن أطفال غزة لم يولدوا ليكونوا أهدافاً، بل ليذهبوا إلى المدرسة، ويلعبوا، ويضحكوا، ويطيروا بطائراتهم الورقية.
والطائرة الورقية ليست جديدة على أطفال غزة. لقد عرفوها منذ سنوات لعبةً ومساحةً للفرح والهروب من قسوة الحرب. واليوم، بعد أن دُمرت مساحات واسعة من بيوتهم، وسيطر الاحتلال على مساحات واسعة من القطاع، يريد أن يجعل حتى السماء منطقة محرمة عليهم.
يريد أن يقول لهم: لا بيت لكم، ولا مدرسة، ولا شاطئ، ولا خيمة آمنة، وحتى السماء ليست لكم.
لكن الطفل الفلسطيني في غزة لا يعرف هذه اللغة.
إنه يرفع طائرته الورقية.
يربط الخيط في يده الصغيرة.
ويجري.
يجري فوق الرمل، بين الخيام، بعيداً عن الركام، وربما فوق مقبرة الأحلام التي حاول الاحتلال أن يدفنها.
ثم يترك الطائرة ترتفع.
ومعها ترتفع أحلامه وآماله.
وهناك، في تلك اللحظة القصيرة، يصبح الطفل أقوى من الحرب.
فالطائرة الورقية لا تحمل قنبلة.
إنها تحمل حلماً.
والأحلام، مهما حاولت الطائرات والدبابات والصواريخ قتلها، لا تموت بسهولة.
غزة اليوم لا تحتمل المزيد من الصواريخ.
غزة تحتاج إلى أن يستعيد أطفالها حقهم الطبيعي في أن يكونوا أطفالاً.
أن يركضوا.
أن يضحكوا.
أن يلعبوا.
أن يصنعوا طائراتهم الورقية.
وأن يرفعوها إلى السماء، دون أن يخافوا من أن تتحول السماء إلى مقبرة أخرى.
في غزة، لم تعد الطائرة الورقية لعبة طفل فحسب؛ أصبحت إعلاناً صغيراً بأن الحياة، رغم كل شيء، لا تزال تقاوم.
ولهذا، ربما، يخاف الاحتلال من طائرة ورقية أكثر مما يخاف من كثير من الأشياء.
فهو يستطيع أن يهدم بيتاً، لكنه لا يستطيع أن يهدم حلماً.
ويستطيع أن يطارد طفلاً، لكنه لا يستطيع أن يطارد السماء.
وفي غزة، كلما ارتفعت طائرة ورقية من بين الركام، ارتفع معها شيء لا تستطيع الطائرات الحربية إسقاطه: حلم طفل بالحياة.