الكاتب: رجب أبو سرية

«مجلس سلام ترامب»: الباطن والظاهر

نشرت في 30 يناير 2026 12:00 ص

الكاتب: رجب أبو سرية

وكالة خبر

https://khbrpress.ps/post/426075



 


في لقاء له مع قناة «الجزيرة مباشر» قال بشارة بحبح، الذي كان قناة اتصال في وقت ما بين إدارة ترامب وحركة حماس، عقب تسليم آخر جثة محتجزة في غزة لإسرائيل، إن إسرائيل ترى أن الاتفاق يلزم الجانب الآخر ولا يلزمها، وأميركا ترى التزام إسرائيل بنصف الاتفاق إنجازاً، وهذا القول يفسر فعلياً كثيراً من الالتباسات والتوقعات المتعلقة بالسياسة الخارجية للإدارة الأميركية.
وإذا كان هذا تقدير بحبح للموقف، فإن تقدير ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، وهما دون شك أكثر تأثيراً على القرار الأميركي الخاص بملف غزة، من المؤكد أنه أقل بكثير، ولا يستبعد أن يعتبر ويتكوف وكوشنر، التزام إسرائيل ببند أو اثنين من بنود الاتفاق إنجازاً، يتطلب التزام الجانب الفلسطيني بالبنود كاملة.
هذا أمر لم يعد جزءا من التوقعات، بل إن ما يدلي به ترامب نفسه، حين يتحدث عن المرحلة الثانية من خطته، يكاد يتطابق تماماً مع ما يطالب به بنيامين نتنياهو.
ولا أحد من الطاقم الأميركي المسؤول عن مجلس السلام، يتحدث عن انسحاب إسرائيل مما تحتله من أرض قطاع غزة، بل ولا طالب بأن تستكمل إسرائيل التزامها بتنفيذ ما تضمنته المرحلة الأولى من الاتفاق، وبالتحديد فتح معبر رفح بالاتجاهين، وفق ما كان عليه الحال قبل اجتياحها قطاع غزة، إن كان خلال سبعة عشر عاماً مضت، أي خلال حكم حماس، وكانت إسرائيل - بالمناسبة موافقة على وجود حماس كسلطة مقابل الجانب المصري - أو قبل ذلك وفق اتفاقية كوندوليزا رايس، التي عمل بها ما بين عامي 2005 - 2007، كذلك إدخال المساعدات دون توقف وبعدد الشاحنات اليومي المتفق عليه، والأهم الوقف التام لإطلاق النار من الجانب الإسرائيلي، ووقف العمليات العسكرية، ومحاسبة إسرائيل على خروقاتها، ثم القول الصريح إن المرحلة الثانية تتضمن تسليم الحكم إلى لجنة التكنوقراط الفلسطينية، وإلى قوة الاستقرار الدولية، مقابل انسحاب إسرائيل إلى ما وراء الخط الأصفر.
هذا ما يجب على طرف محايد، أن يفعله، لا طرف منحاز تماماً وبالكامل، وهو لا ينكر ذلك، بل حتى أنه لا يسعى إلى أن يواري انحيازه للجانب الإسرائيلي.
ومن يتابع تصريحات ترامب شخصياً وجوقة إدارته ومستشاريه ومساعديه، لا يكون لديه أدنى شك، بأنهم «ملكيون في معظم الأحيان أكثر من الملك» فترامب مثلاً تأثر جداً، بعد الإعلان عن تسلم إسرائيل جثة آخر جندي قتيل كان محتجزاً في غزة، ووجد رفاته في مقبرة جماعية في غزة، مدفونة مع أكثر من سبعمائة جثة، وتطلب التأكد منه فحص مائتين وخمسين جثة فلسطينية، لدرجة أن ويتكوف اعتبر عودة 20 محتجزاً أحياء و28 جثة إنجازاً تاريخياً تحقق بفضل وصل ترامب الليل بالنهار من أجل عودتهم إلى ذويهم، بينما لم يتأثر ترامب ولا أحد من جوقته الشعبوية لمقتل أكثر من سبعين ألف إنسان، أكثر من نصفهم من النساء والأطفال، ولا لوجود أكثر من أحد عشر ألف معتقل يواجهون إرهاب بن غفير، ولا لكل مشاهد وفصول حرب الإبادة ضد مليونين ونصف المليون فلسطيني، قتل وجرح منهم 10% خلال عامين، ودمرت كل مظاهر الحياة في أرضهم، فيما قتل أيضاً المئات في الضفة وشرد الآلاف، بل لم يتفوه ترامب وجوقته ببنت شفة فيما يخص عذابات الفلسطينيين منذ ثمانين سنة.
هذه هي الصورة التي تحيط بترامب وأعضاء إدارته، الذين يختلفون عن كل العالم، باصطفافهم إلى جانب مجرمي حرب مدانين من قبل القضاء الدولي، ومنبوذين من كل العالم، وبدلاً من أن تقوم إدارة ترامب بإعادة قادة إسرائيل إلى جادة الصواب العالمي، واصلت منذ أكثر من عام، الافتراق عن العالم بأسره، والحقيقة لم يكن ذلك فقط من أجل إسرائيل، بل بما يؤكد أن ترامب وويتكوف، وكوشنر، ومعهما كل من جي دي فانس، وماركو روبيو، وبيت هيغسيث، ليسوا أفضل حالاً ولا يختلفون كثيراً عن بنيامين نتنياهو، إسرائيل كاتس، إيال زامير، ومن قبلهما يوآف غالانت، وهيرتسي هاليفي، أي عن المطلوبين للمحكمة الجنائية الدولية كمجرمي حرب، ولذلك فإن القيادتين كلتيهما تجران حالياً بلديهما إلى الانتقال من مربع الاختلاف مع العالم، إلى مربع الافتراق عنه.
وأميركا في عهد ترامب لم تتوقف عند حدود الصدام مع كل العالم، وبأشكال متعددة ومختلفة، منها ما هو اقتصادي، كانت ذروته في فرض نسبة التعرفة الجمركية، ضد الآخرين في الشرق والغرب على حد سواء، ومنها ما هو عسكري، كما حدث عند تنفيذ الضربة العسكرية في حزيران الماضي ضد إيران، وكما حدث ضد فنزويلا في عملية كوماندوز «دلتا» العسكرية التي نجم عنها اختطاف الرئيس نيكولاس مادورو، وما بينهما من «تنمر» وتهديد هنا وهناك، إلى أن بدأت أميركا في الانسحاب من المنظمات الدولية التابعة للأمم المتحدة، حتى بلغ هذا الأمر حد الانسحاب من 60 منظمة، كان آخرها منظمة الصحة العالمية، وبالطبع قبل ذلك فإن أميركا في عهد ترامب خاصة ترفض التوقيع على معاهدة المناخ، وكل ما من شأنه أن يحد من الكوارث البيئية، بدافع أناني بالطبع، فترامب الجشع، لا يتوقف عن جمع النقود، ولو كان ذلك على حساب حياة ملايين البشر، وهو بهذا يتوافق مع نتنياهو في الاستخفاف بحياة الآخرين.
باختصار يبدو أن أميركا بدأت السير على طريق الخروج من الأمم المتحدة، بعد أن تبين لها، أنها لم تعد خاضعة لها تماماً، وذلك رغم أن الولايات المتحدة أكثر دولة في العالم لها تأثير عليها، وذلك من خلال مشاركتها دولاً أربعاً أخرى، منها اثنتان كانتا حليفتين لها خلال نظام الحرب الباردة، وفي حق النقض الفيتو، الذي يمنع إصدار أي قرار ملزم عن مجلس الأمن، إن كان ضمن البند السابع أو غيره، أو من خلال وجود معظم مؤسسات الأمم المتحدة، بل مقرها الرئيس، أي مقر جمعيتها العمومية في نيويورك الأميركية.
ويبدو أن الولايات المتحدة، التي تحاول منذ أكثر من عقد من الزمان، أن تعيد تثبيت أركان النظام العالمي الأميركي أحادي القطب الذي أقامته بعد انتهاء الحرب الباردة، دون جدوى، باتت في ولاية ترامب الحالية، تسير على خطين من أجل تحقيق هذه الغاية، الخط الأول هو «السطو» ما أمكن على ثروات الآخرين، لتبقى واقفة على قدميها مقابل نمو الاقتصاد الصيني، والخط الثاني، هو تأسيس منظمة دولية خاصة بها تكون بديلاً عن الأمم المتحدة.
هذا هو الطريق الذي يفتتح بوابته ما يسمى مجلس السلام، الذي يقوم ترامب بإنشائه، وما يوحي بهذا، بل وما يعزز هذا التوقع يوماً بعد يوم، هو ما يقوله ترامب نفسه، فبعد أن تم الحديث قبل ثلاثة أشهر عن مجلس سلام يقود مجلساً تنفيذياً لإدارة غزة، ما بعد الحرب لفترة انتقالية مدتها عامان، يدور الحديث اليوم عن مجلس عالمي في مهماته وأهدافه، أي ليس عالمياً ارتباطاً بعضويته فيما مهمته خاصة بغزة وحسب. هذه الإشارة جاءت عند نشر ميثاق المجلس، الذي لم يشر إلى غزة حصراً، والتفاصيل بعد ذلك ترجح أن الهدف من المجلس هو أبعد كثيراً من غزة، بل ربما أنه لا يتوقف حتى عند حدود غزة، التي سيتركها للمجلس التنفيذي بقيادة كوشنر وويتكوف، وسكرتاريا نيكولاي ملادينوف، ثم بتحديد مبلغ مليار دولار للعضوية الدائمة، ودعوة نحو 60 دولة لعضويته!
التقدير الأوروبي بأن ترامب مع انسحابه من 60 منظمة دولية، يسعى لإقامة بديل يكون خاصعاً له بالكامل، ومجلس السلام بتفرد ترامب شخصياً بحق النقض وحده فيه، يجعل منه أداة لتنفيذ سياسات وخطط ترامب حصراً، وليس تحقيق مصالح جماعية للدول الأعضاء، أي أن ترامب يسعى للتخلص من منظمة دولية محكومة بقانون دولي، ومؤسسة وفق نظام جماعي، مركب على خمس دول عظمى، لذلك رفضت دول أوروبا الأهم وهي: بريطانيا، فرنسا، ألمانيا وإيطاليا، الانضمام للمجلس، فأوروبا ما زالت تتمسك بالقانون الدولي، وما زالت تجد مكانة دولية لائقة لها في نظام الأمم المتحدة العالمي مع تمتع بريطانيا وفرنسا بحق الفيتو في مجلس الأمن، وبالنتيجة عشرون دولة فقط وافقت على الانضمام للمجلس المذكور، فيما تشكيل قوة الاستقرار ما زال يراوح مكانه مع اشتراط نتنياهو أن يكون له حق الاعتراض على أعضائه، وهكذا يتأكد يوماً بعد يوم ابتعاد ترامب وإدارته عن «روح السلام» الحقيقي، وأن ادعاءه وتشدقه برغبته في أن يحمل لقب رجل السلام العالمي، يؤكد أن اللقب ليس بالضرورة يدل على صاحبه، فقد يكون «الأمين» خائناً، و»المطيع» متمرداً، وجيش الدفاع جيش احتلال، ومجلس ترامب مجلس فرض الاستسلام على العالم.