مسيرات العودة في غزة … الهدف والثمن

image_processing20220908-6045-pkx07l.jpg
حجم الخط

بقلم منير الغول

 

  بدأت  المظاهرات والمسيرات في قطاع غزة بذكرى يوم الارض الثانية والاربعين في الثلاثين من مارس ٢٠١٨ على ان تستمر حتى ذكرى النكبة الفلسطينية يوم ١٥ مايو من نفس العام  في إطار دعوة للجنة التنسيقية العليا تحت عنوان (مسيرات  العودة)،حيث دَعت إلى حراكٍ سلمي فلسطيني  يشكل حقا ثابتا وراسخا للفلسطينيين للعودة الى اراضي ابائهم وأجدادهم التي تم تهجيرهم وطردهم منها قصرا في العام ١٩٤٨ …

 

وعلى مدى اشهر طويلة وخلال مسيرات اسبوعية متكررة كل يوم جمعة مارس فيها المتظاهرون حقهم السلمي بالتظاهر والاعتصام قرب السياج الفاصل الذي قامت اسرائيل ببنائه لتمنع التواصل الجغرافي بين القطاع والبقاع الجغرافية الفلسطينية الاخرى ارتقى اكثر من ٢١٥ شهيدا فلسطينيا برصاص جيش الاحتلال واصيب الاف اخرون بجروح ..

 

بعيدا عن الموعد المحدد للمسيرات المقرر كل جمعة كان يوم الثالث عشر من ايلول(الاربعاء) وفي ذكرى ٣٠ عاما لتوقيع اتفاقية اوسلو وفي ظل استعدادات الاسرى لاعلان الاضراب بعد سلسلة اجراءات عقابية اسرائيلية استثنائيا وفيه اراد شبان غزة التعبير عن حراكهم التضامني والسلمي فتقدموا نحو السياج الا ان الجيش الاسرائيلي اطلق قنابل الغاز والرصاص مما تسبب بانفجار جسم ملغوم ادى الى استشهاد خمسة فلسطينيين واصابة ٢٥ اخرين بجروح في احدث واخطر محطة للصراع مع الاحتلال منذ استهداف قادة الجهاد الاسلامي قبل عدة اشهر ..

 

وبعد اسدال الستارة على مرحلة مُهمة من مراحل المقاومة الشعبية الفلسطينية ضد الاحتلال الإسرائيلي، المتمثلة في "مسيرات العودة وكسر الحصار" التي انطلقت بتاريخ 30 مارس/آذار 2018، واستمرت على مدار واحدٍ وعشرين شهراً تقرر أن تجرى المسيرات ،وفق آلية جديدة، بواقع مرة واحدة شهرياً، وفي المناسبات الوطنية البارزة"، بعد أن كانت تُنظم أسبوعياً.

 

واليوم وبعد خمس سنوات كاملة من انطلاق المسيرات تطرح تساؤلاتٍ مهمة حول مدى فعاليتها، والإنجازات التي حققتها، والأهداف التي أخفقت في الوصول إليها.

 

بدون ادنى شك  فإن أهم إنجازات المسيرات، هو تمكنها من إجبار إسرائيل على تخفيف الحصار عن قطاع غزة، وإن كانت قد فشلت في كسره بشكل كامل حيث لا زالت اسرائيل تتحكم بنوافذ المرور والعبور وتفرض الاغلاق في كل مناسبة تصعيد .

يمكن القول ان حركة حماس، التي اشرفت على  الهيئة المُنظمة للمسيرات استغلتها ووظفتها لتحقيق أهداف سياسية خاصة بها"، بالإضافة إلى تسببها في خسائر بشرية كبيرة، وتدخلت عوامل داخلية وخارجية حدّت من قدرة المسيرات  على إحداث اختراق نوعي وتحقيق كامل اهدافها.

 

وبالنظر الى الخسائر الفادحة في الارواح وفي الجرحى الذين اقترب عددهم من ٢٠ الفا وفي الوقت الذي تعبر فيه هذه المسيرات عن قضية عادلة لشعب اعزل الا انه يجب النظر في التكلفة والثمن والمعاناة التي يتم فرضها على سكان القطاع الذين اصبحوا بين فكي كماشة ودون اي افق لايجاد منفذ لانقاذهم من الحصار والعزل الاسرائيلي الذي يتسبب بخنقهم وبقتل اي فرصة او بصيص امل للعيش بكرامة والحصول على الهدوء والامن والاستقرار من اجل بناء ولو معنوي لغايات توظيف العمل بحثا عن لقمة العيش .

 

وبالنظر إلى أبرز أهداف المسيرات وهو كسر الحصار عن غزة، فمن الواضح أن الحصار لم ينكسر، إلا أنه تم إحداث تخفيف  له على أكثر من صعيد،فنشهد اليوم تحسناً طفيفاً على مستوى الظروف المعيشية الصعبة للسكان،من خلال استمرار ضخ الأموال القطرية التي تدخل شهرياً لدعم الأسر الفقيرة، وتزويد محطة الكهرباء بالوقود، بالإضافة لاستمرار فتح معبر رفح الذي لم يكن ليحصل لولا مسيرات العودة ولكن توقيت المسيرات لم يساهم في تحقيق اختراقات مهمة على الصعيد الإقليمي والدولي، بسبب الاوضاع في كل من العراق واليمن وليبيا وسوريا التي لم تمكن العالم العالم الخارجي من الالتفات والانتباه كثيراً لما يجري من انتهاكات جرت بحق مسيرات العودة".

 

ومع استمرار الانقسام السياسي لم تحصل غزة على الدعم اللازم من الضفة الغربية التي لم تتفاعل جيدا مع المسيرات وبالتالي غابت الحاضنة الشاملة التي كان يمكن ان تكون اكثر شمولية لتحقيق اهداف افضل وهذا من الاسباب الاخرى التي أضعفت  المسيرات .

 

وفي الوقت الذي تصر فيه المقاومة على نفي ادراج المسيرات على رزنامة مقلصة جدا بسبب المشاورات الدبلوماسية الاخيرة والمفاوضات غير المباشرة مع اسرائيل وتجنب حماس تحديدا عن المشاركة في اي اجراءات للرد على خطوات الاحتلال وانتهاكاته المستمرة ، الا انه من الواضح ان ما يجري خلف الكواليس صوب محاولات التوصل الى هدنة مع اسرائيل وفتح الافق امام توفير الحماية لسكان ومواطني القطاع تأتي في سلم الاولويات على رزنامة المقاومة التي لم يعد بامكانها ان ترى مزيدا من الاجراءات الاسرائيلية العقابية والانتهاكات المتواصلة بحق الشعب الفلسطيني وستبقى متمسكة بخيط أمل ترفع من خلاله الحصار والاغلاق عن قطاع غزة ..

 

في ظل ما تقوم به الحكومة اليمينية المتطرفة في الكيان المحتل من اجراءات وخطوات تصعيدية خطيرة منذ استلامها زمام الامور وتهديدها باغتيال كوادر وقيادات فلسطينية ردا على عمليات المقاومة المتصاعدة في الضفة الغربية والقدس ورغم التوتر الكبير الذي يطل براسه ليسيطر على المشهد في اربع ساحات ( غزة والحدود الشمالية والقدس والضفة) ورغم سفك اسرائيل بشكل متعمد للدم الفلسطيني واراقته الا ان المقاومة لا زالت على موقفها الساعي الى ضمان الامن والامان لمواطني غزة في سبيل تحقيق انتعاشة اقتصادية تساهم في التخفيف من ظروف حياتهم المعيشية الصعبة وهذا هو المحور الاساسي الذي بموجبه تقلصت مسيرات العودة بانتظار انفراجة جديدة او انفجار كبير اذا اصرت اسرائيل وحكومتها المتطرفة على سياساتها واجراءاتها ضد الشعب الفلسطيني .