قمة تسجيل المواقف والعجز عن اتخاذ قرارات عملية لوقف الكارثة

تنزيل (9).jpg
حجم الخط

بقلم المحامي زياد أبو زياد

 

الوقت الذي كان قادة الدول الأعضاء في منظمة التعاون الاسلامي والجامعة العربية يجتمعون في الرياض كانت القوات العسكرية الإسرائيلية تواصل حربها الشرسة في قطاع غزة وتواص القصف وتضيق الخناق حول مستشفى الشفاء الذي يضم داخله أكثر من خمسة ألف شخص من مريض وجريح أو مرافق لهم أو من عائلات لجأت الى ساحات ومبنى المستشفى بحثا عن الأمان أو عن شربة ماء أو كسرة خبز.


وإذ أكتب هذه السطور فإنه ينتابني خوف شديد من أنه قبل أن يجد هذا المقال طريقه للنشر تكون إسرائيل قد اقتحمت المستشفى وارتكبت أكبر حماقة في تاريخ هذه الحرب التي امتدت أكثر من خمسة أسابيع، وأن هذه الحماقة ستضيف آلافا ً جديدة لآلاف الضحايا الذين سقطوا منذ بدء القتال. فأنا أكتب هذه السطور وأنا أشعر بأنني أسير فوق رمال متحركة ما لم تحدث المعجزة، التي لا أتوقع أن تحدث، ويتم وقف القتال قبل وقوع المجزرة.


لقد شكل الدعم السياسي والعسكري والمادي لإسرائيل في هذه الحرب وخاصة الأمريكي والأوروبي تشجيعا ً لها على الإيغال بالعمليات القتالية لدرجة أنها وجدت نفسها اليوم متدحرجة منساقة بقوة الاندفاع التدريجي مع استمرار القتال لا تقدر على وقفه لكي لا يقال أنها لم تستطع تحقيق الهدف الذي أعلنت أنها شنت هذه الحرب من أجل تحقيقه، ولا تستطيع مقاومة اغراء الاستمرار في هذه الحرب طالما أنه توفر لها غطاء دولي لاستمرارها مع أنها تدرك أنها حرب غير مضمونة النتائج وأن الهدف الذي أعلنته ما زال بعيد المنال، بل ولن تصل إليه لأنها تحارب ضد فكرة وأيديولوجية لا يمكن هزيمتها أو القضاء عليها. ناهيك عن أن استمرار الظلم الواقع ضد الشعب الفلسطيني وإنكار حقه في الحياة الحرة الكريمة في دولته المستقلة على ترابه الوطني سيظل مصدرا ً وملهما ً لاستمرار الصراع حتى يتحقق.


لقد قرأت بيان القمة الإسلامية والعربية وأول ما أستطيع قوله هو أن البيان يُشكل تعبيرا ً ممتازا ً عن موقف تعلنه هذه الدول وتسجله، ولكن البيان يفتقر لأي قرار عملي يمكن أن تقوم به هذه الدول من أجل وقف المجزرة ضد المدنيين في قطاع غزة. فهذ البيان بما تضمنه من عبارات طنانة ورنانة جامعة مانعة لم يتجاوز تسجيل موقف على طريقة "قل كلمتك وامش" او على طريقة اللهم قد بلغت. فهو كلام يفتقر للفعل.


للدول العربية والإسلامية القدرة على التأثير والضغط لو أرادت. فلأمريكا والدول الأوروبية، بل وحتى لإسرائيل، مع بعض هذه الدول مصالح وعلاقات حيوية مشتركة ولا شك بأن مجرد التلويح الجدي بأن هذه المصالح يمكن أن تتعثر أو تتأثر سلبا اذا استمرت الحرب واستمر القتل والدمار، سيؤدي بالتأكيد الى مبادرة هذه الدول لعمل شيء من أجل الوقف الفوري لإطلاق النار وإنقاذ حياة بعض ما تبقى من أطفال غزة ونساء غزة وشيوخ غزة وبيوت غزة. ولكن هذه الدول إما أنها آثرت مصالحها واكتفت بالضريبة الكلامية البراقة أو أنها، بعضها أو كلها، تمنعت عن ذلك إما جُبنا ً وخوفا ً من مواجهة مع أمريكا والدول التي تدور في محيطها أو لأن لها حسابات مع حماس، أو من تعتقد بأنه يقف وراء حماس، يمكن أن تحققها هذه الحرب.
ما يجري في غزة ليس حربا ً ضد حماس، لأن مقاتلي حماس أو بالأحرى رجال المقاومة بما في ذلك حماس ربما يكونوا الأقل تأثرا بما يجري، وإنما هو حرب إبادة ضد المدنيين العُزل الذين شاء قدرهم أن يكونوا شعب غزة وأهل غزة يقفون بين المطرقة والسندان. واذا كانت لبعض هذه الدول حسابات مع حماس فقد كان الأجدر بها أن تدرك بأن الذي يدفع ثمن هذه الحسابات اليوم هو الطفل والمرأة والمسن الضعفاء الذين يفتقرون اليوم، وبسبب هذه الحرب الدامية القاسية المتوحشة، الى من يدفن جثامين موتاهم، أو يوفر لمن تبقى منهم على قيد الحياة حبة الدواء والعلاج لإصاباتهم وجروحهم الخطرة وبينها بتر الأعضاء، والى قطرة الماء ورغيف الخبز وأبسط الغذاء، أو لمن يرعى أطفالهم الذين لم يتبق من أهاليهم أحد بل وبعضهم انتشل من تحت الركام ولا أحد يعرف من أهله.


سيتوقف القتال عاجلا ً أو آجلا وستبدأ تتكشف الصورة الحقيقية البشعة لهذه الحرب. ستبدأ الجرافات تخرج الجثث من تحت الركام وستبدأ الفرق تجمع الجثث الملقاة على جوانب الطرق تنهشها الكلاب وسيبدأ رجال الإنقاذ يبحثون عن الكمامات التي يمكن أن تقيهم الروائح المنبعثة من جثامين الضحايا، وسيبدأ يتكشف حجم الدمار الشامل الذي تم ايقاعه، وعندها سيقف العالم أمام حقائق مذهلة يندى لها الجبين الإنساني وسيعرف متأخرا ً جدا ً بأنه وبفعل سكوته على هذه الحرب، التي كان أحد أسبابها ما ادعته إسرائيل بأنها تعرضت الى محرقة ثانية بعد محرقة النازية، أنه أسهم بذلك السكوت في التستر على ارتكاب ما هو أقرب الى محرقة ثالثة ضد أطفال وشيوخ ونساء غزة، ولن ينفع الندم على السكوت لأن أحدا ً لن يستطيع إعادة الحياة الى آلاف الضحايا المستضعفين المظلومين.


لا أدري إن كان قد تم اقتحام مستشفى الشفاء ووقعت الكارثة وهذا المقال في الطريق الى المطبعة، أو أنه قد تم وقف اطلاق النار، ولكني مرة أخرى أعبر عن خيبة الأمل من عجز قمة إسلامية وعربية انعقدت على أعلى مستوى، عن اتخاذ قرارات عملية من أجل انقاذ حياة طفل فلسطيني رضيع أو ولد أو سيولد في هذه اللحظات.


لك الله يا غزة، ولكم الله يا اهل غزة سواء من مات منكم أو من ينتظر، فالعجز العربي والإسلامي أصبح من أبرز سمات هذا العصر. ورغم كل ذلك فلا تيأسوا فالله قد يأتيكم بالفرج من حيث لا نحتسب، ولنظل نطالب بالوقف الفوري لإطلاق النار ووقف هذا الجنون الدموي الى أن يتحقق.