تطبيقات في أزمنة الركام

التعليم الرقمي والتطبيقات المضافة "مودل" تلاحق أطفال غزة بين انقطاع الكهرباء وضيق العيش

نشرت في 02 أكتوبر 2026 09:53 م

تطبيقات في أزمنة الركام

مارلين أبو عون - غزة - وكالة خبر

https://khbrpress.ps/post/436011

رحلة الوصول إلى "مودل".. معركة جديدة يستنزف فيها أولياء الأمور شواحن الهواتف وشبكات الإنترنت المفقودة

مع انطلاق العام الدراسي الجديد، وفي وقت تبحث فيه آلاف العائلات الفلسطينية في قطاع غزة عن أدنى مقومات الحياة الأساسية من ماء وغذاء وأمان، وجد أولياء الأمور والطلبة أنفسهم أمام عقبة تقنية جديدة أضيفت إلى كاهلهم؛ إذ اعتمدت وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا" نظام التعليم الإلكتروني ومتابعته عبر تطبيق "مودل" (Moodle)، ليكون البوابة للوصول إلى المواد التعليمية والتقدم للامتحانات الشهرية والنهائية.

وفي حين يُفترض أن يكون التعليم حقاً ميسراً للجميع، تحول هذا الإجراء التقني، بمتطلباته المعقدة من أسماء مستخدمين وكلمات مرور وتغييرات في الترميز ودخول إلى المواقع، إلى عبء إضافي يهدد بحرمان آلاف الطلبة من درجاتهم وحقهم في التعليم إذا عجزوا عن مواكبة هذه الشاشات الرقمية.

معاناة تقنية وسط أزمة معيشية: "كيف نتابع النت والواتس ونحن منكوبون؟"

تقول إحدى الأمهات، وتُعرّف عن نفسها باسم "أم محمد"، في رسالة تلخص واقع الحال: "سؤال للمسؤولين.. إحنا شعب منكوب وما معه شيكل، من وين بدنا نجيب نت ونشحن جوالنا عشان نتابع المودل والواتساب؟ أقسم بالله 70% من أهالي غزة ما بيتوفر عندهم نت، و50% ما معهم جوالات لأولادهم، ياريت تاخدوا بعين الاعتبار وتغيثوا الناس!"

ولم تتوقف الأزمة عند حدود تكلفة الإنترنت فحسب، بل امتدت لتشمل حتى أبسط التفاصيل اللوجستية، كالبحث عن نقطة لشحن البطارية؛ حيث يعبر المواطن "إسماعيل" عن هذا الإرهاق بقوله: "ارحمنا عشان الله.. هو في جولات في البلد؟ الجوال بروح ع الشحن 5 مرات في اليوم.. شو نعمل؟"

تعقيدات التسجيل وأخطاء النظام: شاشات مسدودة واستغاثات بلا إجابة

من الناحية الفنية، يتطلب الدخول إلى التطبيق خطوات متعددة، تتضمن إدخال رابط الموقع (https://moodle.unrwa.org/moodle)، ثم استخدام رقم الهوية ورمز خاص يحتوي على حروف كبيرة وصغيرة، إلى جانب متطلبات أخرى لإنشاء كلمة مرور جديدة.

وأدت هذه التعقيدات إلى تكرار ظهور رسائل الخطأ الرقمية، مثل "خطأ في اسم المستخدم أو كلمة المرور"، ما يترك العائلات في حيرة من أمرها.

ويعلق ولي الأمر "أبو جليل" محبطاً: "مش راضي يزبط معي مودل".

بينما تتساءل "أم حمادة": "بالنسبة للمودل، كيف رح يتم الحل عليه أو كيف رح نتابع معهم؟ أنا ضفت ابني عليه وما حد فاهم شي!"

من جانبه، عبّر المواطن "أبو فتحي" عن غضب عارم تجاه الآلية الحالية، قائلاً: "كلو كلام فاضي... وزعوا رزم تعليمية ع الطلاب... كل الإلكتروني مسخرة في مسخرة".

نداء استغاثة للأونروا: التخفيف عن كاهل العائلات وإعادة النظر في الآليات

أمام هذا الواقع، أطلقت العائلات والأهالي نداء استغاثة عاجلاً موجهاً إلى إدارة التعليم في وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا"، دعوا فيه إلى مراعاة الظروف القاسية التي يمر بها القطاع، والعدول عن إجبار الطلبة على استخدام منصات إلكترونية تتطلب إمكانات مادية وتقنية غير متوفرة لدى غالبية السكان.

ويرى الأهالي أن البدائل التقليدية، كالرزم التعليمية المطبوعة، أو التسهيل المباشر في المدارس ومراكز اللجوء، تُعد أكثر ملاءمة ورفقاً بحال أطفالهم الذين يحاولون البقاء على قيد التعليم والكرامة وسط أزمات لا تنتهي.

استطلاع رأي الشارع الغزي: بين طموح التعلم ومأساة الواقع

امتداداً لمتابعة قضية فرض تطبيق "مودل" والتعليم الإلكتروني في ظل الظروف القاسية التي يعيشها قطاع غزة، رصدنا مجموعة من الآراء الحية والمباشرة من قلب الشارع الغزي، تعكس حجم التخبط والمعاناة التي تعيشها العائلات والطلبة.

الأمهات: عبء إضافي وتوتر يومي

أم جهاد، ربة منزل وأم لأربعة طلبة، تقول: "التعليم الإلكتروني في وضعنا الحالي يمثل عذاباً يومياً وليس تعليماً.. أقضي يومي في الركض خلف نقاط الشبكة الضعيفة ومحاولة شحن الهواتف، بدلاً من الاهتمام بتدريس أبنائي، وتطبيق 'مودل' معقد للغاية ولا نفهم منه شيئاً، مما يصيبنا بالتوتر الدائم خوفاً على درجات الأطفال".

أما أم إبراهيم، وهي نازحة في إحدى المخيمات، فتقول: "نحن نعيش في خيام ولا نملك حتى مقومات الحياة الأساسية من ماء وغذاء، فكيف يطلبون منا توفير اشتراكات إنترنت وهواتف حديثة لكل طفل؟ هذا التطبيق يظلم أبناء الفقراء والنازحين ويحرمهم من حقهم في التعليم لمجرد أنهم لا يملكون 'شيكلاً' لشحن الجوال".

ويقول أبو خليل، وهو عامل عاطل عن العمل: "لا يوجد لدينا أي دخل مادي، وأقل باقة إنترنت تحتاج إلى مبلغ لا نستطيع توفيره، ناهيك عن الذهاب إلى المحلات لشحن البطاريات عدة مرات في اليوم.. القرارات التي تتخذها الأونروا يجب أن تراعي أننا شعب منكوب، ولا يجوز فرض آليات رقمية وكأننا نعيش في استقرار تام".

أما أبو رامي، ولي أمر لثلاثة طلاب في المرحلة الأساسية، فيقول: "التطبيق يتطلب خطوات دخول معقدة وتغيير كلمات مرور وأكواد لا يستوعبها حتى الكبار، وكلما حاولنا الدخول تظهر لنا رسائل خطأ في النظام.. نطلب من المسؤولين العودة إلى الرزم التعليمية المطبوعة أو الآليات المباشرة، لأن هذا التعليم الرقمي أصبح مجرد مسخرة واستنزاف للأهالي".

الطلبة: الخوف من فقدان الدرجات

أما الطالبة ياسمين، في الصف التاسع، فتتحدث عن مخاوفها مع دخولها عامها الدراسي الجديد، قائلة: "أشعر بالخوف والتوتر طوال الوقت لأنني لا أستطيع الدخول إلى التطبيق بانتظام لمراجعة الدروس أو تقديم الامتحانات.. الإنترنت ينقطع باستمرار، وأخشى أن أفقد درجاتي أو أُرسب في المواد لمجرد أنني لن أتمكن من إرسال الحل عبر المنصة".

ويقول الطالب محمود، في الصف السادس: "نحن نريد أن نتعلم ونقرأ من الكتب كباقي الأطفال، لكن الهاتف الوحيد في العائلة مع والدي، ولا أستطيع الدراسة عليه إلا في المساء إذا توفرت الكهرباء أو الشحن.. طريقة 'مودل' صعبة جداً وتجعلنا نكره الدراسة بدلاً من أن تحببنا فيها".

وتعكس هذه الآراء جانباً من معاناة الكثير من الأسر وأبنائها مع التعليم الإلكتروني والإضافات الجديدة التي أدخلتها الأونروا على نظام المتابعة، في ظل عوامل عدة مجتمعة أسهمت في تفاقم أزمة التعليم عن بُعد.

ويأمل الأهالي أن تعيد الأونروا النظر في هذه الإضافات التي أُدخلت على منظومة التعليم الإلكتروني، وأن تتجه إلى إنشاء نقاط تعليمية بديلة عن المدارس التابعة لها التي تعرضت للقصف، بما يخفف عن كاهل الأسر التي تواجه ظروفاً معيشية قاسية، ويحافظ على حق أطفالها في التعليم، في ظل حرب تركت آثارها على مختلف مناحي الحياة في قطاع غزة.

WhatsApp Image 2026-09-25 at 3.58.10 PM
WhatsApp Image 2026-09-25 at 3.58.11 PM
WhatsApp Image 2026-09-25 at 3.58.12 PM
WhatsApp Image 2026-09-25 at 3.58.11 PM (1)