نشرت في 23 أبريل 2026 11:49 ص
https://khbrpress.ps/post/429447
يشكّل انعقاد المؤتمر الثامن لحركة فتح، المقرر في منتصف شهر مايو/أيار 2026، بالتزامن مع إحياء ذكرى النكبة الفلسطينية، محطة مفصلية في تاريخ الحركة، ليس فقط لكونه استحقاقًا تنظيميًا، بل لما يحمله هذا التوقيت من دلالات سياسية ووطنية عميقة. فالتزامن مع ذكرى النكبة يعيد طرح سؤال التحرر الوطني وبقاء الفلسطيني على أرضه في صلب أعمال المؤتمر، ويمنحه بعدًا يتجاوز الشأن التنظيمي إلى إعادة تقييم المشروع الوطني برمّته. كما يضع الحركة أمام مسؤولية الربط بين الذاكرة التاريخية والتحديات الراهنة، وتحويل هذه الرمزية إلى سياسات عملية تعزز الصمود وتواجه محاولات تقويض الوجود الفلسطيني.
على المستوى القيادي، ينعقد المؤتمر في سياق ما يبدو أنه انتقال تدريجي داخل بنية النظام السياسي الفلسطيني، بقيادة الرئيس محمود عباس، مع بروز دور متقدم لنائبه حسين الشيخ، الذي بات يتولى ملفات سياسية وأمنية وإدارية حساسة. ورغم ما يوحي به هذا الانتقال من سلاسة شكلية، إلا أنه لا يزال بحاجة إلى ترسيخ شرعية تنظيمية أوسع داخل حركة فتح، بحيث لا يظل مجرد ترتيب إداري من أعلى، بل يتحول إلى خيار يحظى بقبول القاعدة التنظيمية. وهنا تبرز أهمية المؤتمر كإطار يمكن أن يمنح هذا التحول غطاءً سياسيًا وتنظيميًا.
أما على الصعيد السياسي العام، فإن المؤتمر ينعقد في ظل واقع فلسطيني مأزوم، تفاقم بشكل غير مسبوق بعد أحداث السابع من أكتوبر وما تلاها. فقد أدت هذه التطورات إلى تعميق الانقسام الداخلي، في ظل استمرار الخلاف مع حركة حماس، الذي لم يعد مجرد تباين في البرامج، بل تحول إلى انقسام بنيوي يعيد تشكيل النظام السياسي الفلسطيني. ويطرح هذا الواقع تحديًا جوهريًا أمام فتح: هل ستتمكن من بلورة رؤية جديدة لإدارة هذا الانقسام أو إنهائه، أم ستبقى أسيرة خطاب تقليدي يحمّل الطرف الآخر المسؤولية دون تقديم بدائل عملية؟
في موازاة ذلك، تتسم العلاقة مع إسرائيل بدرجة غير مسبوقة من التوتر والتعقيد، في ظل هيمنة تيارات اليمين الديني على مفاصل الحكم، وما تحمله من توجهات أيديولوجية تسعى بشكل ممنهج إلى تقويض ما تبقى من فرص التسوية السياسية. ولم تعد هذه السياسات تقتصر على الجمود التفاوضي، بل تجاوزته إلى ممارسات ميدانية تهدف إلى إعادة تشكيل الواقع على الأرض بما يضعف-بل ويهدد- الوجود الفلسطيني ذاته. ففي الضفة الغربية، يتصاعد عنف المستوطنين بشكل ملحوظ، غالبًا تحت حماية أو تغاضٍ رسمي، بما يشمل الاعتداءات على القرى، ومصادرة الأراضي، وتوسيع الاستيطان بوتيرة متسارعة. أما في قطاع غزة، فتتجلى هذه السياسات في مستويات غير مسبوقة من القتل والتدمير، وما يرافقها من استهداف للبنية التحتية ومقومات الحياة، بما يعمّق الكارثة الإنسانية ويعيد تشكيل الجغرافيا والديموغرافيا. وفي الداخل الفلسطيني، تتفاقم مظاهر الجريمة المنظمة والعنف في ظل اتهامات متزايدة بتقاعس المؤسسات الرسمية عن مواجهتها، وهو ما يُنظر إليه كأداة إضافية لتفكيك المجتمع الفلسطيني من الداخل.
أمام هذا المشهد المركب، تجد حركة فتح نفسها أمام ضرورة ملحّة لإعادة تقييم خياراتها الاستراتيجية، ليس فقط بين الاستمرار في النهج التفاوضي بصيغته التقليدية، أو التحول نحو أدوات نضالية جديدة، بل في كيفية صياغة استراتيجية شاملة قادرة على مواجهة هذه السياسات متعددة الأبعاد. ويبرز هنا بشكل خاص الحاجة إلى ابتكار أدوات نضالية ترتكز على تثبيت المواطن الفلسطيني على أرضه، بوصفه جوهر معادلة الصراع. ويتطلب ذلك الانتقال من ردود الفعل إلى سياسات صمود فاعلة، تشمل دعم الوجود السكاني في المناطق المهددة، وتعزيز الاقتصاد المحلي، وتوفير مقومات الحياة الأساسية، إلى جانب تفعيل أشكال المقاومة الشعبية المنظمة، وتوسيع الاشتباك القانوني والدولي بما يحمي الأرض والإنسان معًا. فالمعركة في جوهرها لم تعد فقط على الحقوق السياسية، بل على الوجود ذاته، ما يجعل من بقاء الفلسطيني على أرضه فعلًا نضاليًا يوميًا لا يقل أهمية عن أي مسار آخر.
كما لا يمكن فصل هذه التحديات عن السياق الإقليمي والدولي الأوسع، الذي يشهد حالة من السيولة وعدم الاستقرار، مع تصاعد التوترات في أكثر من ساحة. في ظل هذا المشهد، تتراجع أولوية القضية الفلسطينية أحيانًا لصالح ملفات أخرى، فيما تمضي إسرائيل في تعزيز سياسات التطبيع دون تقديم أي أفق لحل سياسي شامل. ومن هنا، تبرز الحاجة إلى رؤية فتحاوية قادرة على إعادة الاعتبار للقضية الفلسطينية على الساحة الدولية، عبر أدوات أكثر فاعلية وتأثيرًا.
داخليًا، تواجه حركة فتح تحديات تنظيمية لا تقل خطورة، مع بروز تيارات متعددة داخلها، من بينها التيار المرتبط بالقيادي محمد دحلان، وهو ما يعكس حالة من التصدع التنظيمي التي لم تعد خافية. إن إدارة هذا التعدد، سواء عبر الاحتواء أو إعادة الدمج أو حتى تنظيم الخلاف، تمثل اختبارًا حقيقيًا لقدرة الحركة على استعادة وحدتها الداخلية، أو على الأقل منع مزيد من التآكل في بنيتها.
وفي هذا السياق، تبرز مسألة إصلاح النظام الداخلي لحركة فتح كمدخل أساسي لأي عملية نهوض حقيقية. فقد أثبتت التجربة أن نموذج "الديمقراطية المركزية" الذي حكم الحركة لعقود، لم يعد قادرًا على استيعاب تعقيدات الواقع التنظيمي والجغرافي الحالي، بل ساهم في تعميق الفجوة بين القاعدة والقيادة. وعليه، فإن الحاجة باتت ملحّة للانتقال نحو نموذج أكثر لامركزية، يقوم على اعتماد نظام المؤتمرات الإقليمية، بحيث يتم التعامل مع كل من الضفة الغربية وقطاع غزة والسجون والخارج كساحات تنظيمية مستقلة نسبيًا. ويقتضي هذا النموذج عقد مؤتمرات فرعية في كل ساحة، تُنتخب خلالها قيادات محلية ولجان رقابية، إلى جانب اختيار ممثلي هذه الساحات في المؤتمر العام. وعلى أساس هذا التمثيل القاعدي، ينعقد المؤتمر العام ليقوم بانتخاب اللجنة المركزية والمجلس الثوري، لكن وفق آلية جديدة تعكس الإرادة التنظيمية الحقيقية، وتعيد وصل ما انقطع بين القاعدة والقيادة، بما يعزز من حيوية الحركة وقدرتها على التجدد.
في ضوء كل ما سبق، لا يبدو المؤتمر الثامن مجرد محطة تنظيمية عادية، بل فرصة حقيقية-وربما أخيرة- لإعادة صياغة دور حركة فتح في مرحلة شديدة الحساسية. غير أن تحويل هذه الفرصة إلى نقطة تحول يتطلب أكثر من مجرد انعقاد المؤتمر بحد ذاته؛ إذ يستدعي أولًا مصارحة داخلية جادة تتجاوز المعالجات الشكلية، وثانيًا بلورة رؤية سياسية واضحة تنسجم مع التحولات التي شهدتها الساحة الفلسطينية بعد السابع من أكتوبر، وثالثًا وضع آليات تنفيذية حقيقية تضمن ترجمة القرارات إلى سياسات قابلة للتطبيق.
دون ذلك، قد ينتهي المؤتمر إلى إعادة إنتاج الأزمة بدل معالجتها، لتبقى حركة فتح، ومعها النظام السياسي الفلسطيني، تدور في حلقة مفرغة لا تعكس حجم التحديات التي تواجه القضية الفلسطينية، ولا توازي تطلعات الشعب الفلسطيني في هذه المرحلة الدقيقة.