نشرت في 23 أبريل 2026 11:40 ص
https://khbrpress.ps/post/429445
كما توقّع الكثيرون ومن بينهم نحن، فقد هرب رئيس أميركا دونالد ترامب من هذه الجولة من الحرب بأن أعلن عن التمديد للمرة الرابعة أو الخامسة، ومن دون تحديد المدة، وهو أمر مقصود على ما يبدو، في محاولة جديدة «لتهريب» تراجعه المكشوف تحت ذرائع باتت واهية ومفضوحة تعكس العجز عن الذهاب إلى قرار الحرب.
هناك ما يكفي من الأسباب، وما يزيد، أيضاً، ويفيض فيها ما يجعل قرار الحرب قراراً «انتحارياً» من زوايا معينة، لكنها جوهرية، وأكبر وأخطر من مجرّد مغامرة.
السبب الأوّل، أن قرار الحرب لا يحظى بموافقة من الدوائر المقررة في وزارة الحرب الأميركية، ليس بسبب عدم قدرة القوات الأميركية على «إنجاز» المهمة، وإنما لأن هذا الإنجاز بالذات هو «مصيبة» هذه الحرب، وهو مقتلها، وهو الذي سيجرّها إلى حيث إنها ستشمل في ضوء نتائجها والمتوقعة على دمار مؤكّد لكل الأصول والبنى في دولة الاحتلال، وفي معظم الدائرة الخليجية، وبذلك تكون أميركا قد خسرت ما كانت تدافع عنه، وتسعى للسيطرة عليه، وما كانت تراه ذخراً إستراتيجياً لها في الصراع العالمي على مصادر الطاقة.
السبب الثاني، هو أن أميركا كانت ستلحق باقتصادها أكبر الأضرار وأفدحها، وبالاقتصاد العالمي ما لا طاقة على تحمّله، وبما كان سيؤدي بالدول الأوروبية، وبالكثير الكثير من دول العالم إلى أزمات اقتصادية واجتماعية تتراوح بين أسوأ معدّلات الركود، وصولاً إلى الإفلاس، وربما الجوع، وإلى انحدارات حادّة من الفقر والإفقار، وإلى انقلابات سياسية، وكذلك اجتماعية، وإلى «فشل» الدولة في بلدان كثيرة من العالم.
والسبب الثالث، هو أن قرار الذهاب إلى الحرب، والذي تعارضه الأغلبية الساحقة جداً من شعوب الأرض قاطبة، والأغلبية الساحقة من دول العالم، وفي الشرق والغرب وفي الشمال والجنوب، المعادية لأميركا وحتى «المناصرة» لها كان سيعني في الواقع أن هذه الحرب إنما تُخاض لصالح دولة الاحتلال تحديداً.. مرّة أخرى جديدة ما يحوّلها إلى فضيحة جديدة، طالما أنها لم تعد «شعبية» في أميركا، وطالما أن معارضتها في ارتفاع متصاعد، وطالما أن «تهمة» المصالح الإسرائيلية أصبحت تلاحق ترامب في كل مكان من داخل أميركا، ومن خارجها.
وكان قرار الذهاب إلى الحرب في هذا الإطار تحديداً سيؤدّي حتماً إلى انشطار الحزب الجمهوري، وإلى تصدّعه، ناهيكم عن خساراته الانتخابية.
ليس هذا كله فقط، وإنما أكثر من ذلك فقد كان من الصعب، وربما من المستحيل، أيضاً، أن تؤدي هذه الحرب إلى أي نتيجة من شأنها تفادي الدخول في حرب برّية قد تمتدّ لسنوات طويلة، وقد تتحوّل إلى حرب استنزاف أخطر من كل حروب أميركا، وقد كان ممكناً، ومرئياً تماماً أن تكون هذه الحرب بالذات هي النهاية الفعلية للإمبراطورية الأميركية، حتى لا نقول سقوطها.
ما كان يمكن أن يذهب ترامب إلى هذه الحرب دون أن يحسب حساباته من البعد الصيني والروسي لأبعادها وتبعاتها بالرغم من كل حالة الاضطراب النفسية التي باتت موضع إجماع كبير في هذا العالم.
الآن أصبح بالإمكان في ضوء كل ما سبق أن نعود قليلاً إلى الوراء لكي نؤكّد أن أميركا كانت قد خسرت هذه الحرب عندما فشلت في إسقاط النظام الإيراني أثناء الضربة الأولى منها، وهي الضربة التي أُطلق عليها «ضربة الرعب والسيطرة»، حين ردّت إيران بـ»حزام ناري» على قوس جغرافي امتدّ على آلاف الكيلومترات، وبضربات مركّزة وشديدة ودقيقة، وبأسلحة نوعية فتّاكة، كان من نتيجتها على مدار عدّة جولات منها أن تمّ تدمير معظم القواعد الأميركية في كامل المنطقة، وكان من نتائجها، أيضاً، استباحة الأجواء الإسرائيلية، وإدخال ملايين الإسرائيليين إلى الملاجئ على مدار الساعة، إضافةً إلى الخسائر الفادحة التي تكبّدتها دولة الاحتلال على كل مستوى وصعيد.
ما هي الحلول الممكنة على ضوء كل ذلك؟ وكيف ستتصرّف إدارة ترامب في ضوء كل هذه الوقائع والمعطيات؟
فيما أظنّ فإن الإدارة الأميركية ما زالت تفكّر في ضربة عسكرية «تخويفية» لممارسة مزيد من «الضغط» على المفاوض الإيراني، لكنها لن تلجأ إلى مثل هذا الخيار، وهو احتمال ضعيف، على كل حال.. لن تلجأ له إلّا إذا «ضمنت»، ألا تكون ردّة الفعل الإيرانية بالقدر الذي يحوّل هذه الضربة التخويفية إلى حرب كبيرة وطاحنة.
الخيار الآخر أن «تكتفي» الإدارة الأميركية بالإبقاء على «الحصار» كبديل عن الحرب، وأن تتابع «جرّ» إيران إلى التفاوض مع استمرار الحصار، لكي تمارس الضغط عليها من جهة، ولكي تبدو أميركا وكأنها تشارك في هذه المفاوضات، وإيران تحت «نار الحصار»، وهي صورة ستحرص الإدارة الأميركية على تكريسها إن استطاعت.
الخيار الثالث، هو أن يستمر تمديد مهلة الحرب، وألا يكون هناك تفاوض، أو أن يتمّ البحث عن صيغة جديدة للمفاوضات، وحتى عن إطار جديد لها، بما في ذلك الإطار «الدولي»، الذي «يغطّي» حالة الانكشاف السّافرة التي وصلت لها الإدارة الأميركية، وخصوصاً من الجانبين الصيني والروسي.
أما الخيار الذي أراه مُرجّحاً فهو استبدال الاتفاق التفصيلي مع إيران، واختزاله في ورقة تفاهمات، أو ضمانات دولية لإنهاء الحرب، وتعهّد إيران بعدم إنتاج السلاح النووي.
الذهاب إلى صيغة كهذه «ستحرّر» ترامب من عبء «الاتفاق»، وسيبدو من خلاله أنه قد حقّق الأهداف «العسكرية» للحرب، وترك الأبعاد السياسية لهذه الحرب للمستقبل.
حتى إيران ستكون قد حقّقت فعلياً أهدافها، ووصلت إلى الذي كانت تطمح إليه.
أزمة ترامب مع دولة الاحتلال بعد هروبه من الحرب ستكون عنوان مقالنا القادم.