بقلم عبد الغني سلامة

بعد كل هذا الخراب، ما جدوى تسليم السلاح؟

نشرت في 05 أغسطس 2026 10:05 ص

بقلم عبد الغني سلامة

وكالة خبر

https://khbrpress.ps/post/433530


 

في حرب الإبادة على غزة مارست إسرائيل كل الجرائم الكبرى: التطهير العرقي، والتدمير الممنهج، واستخدمت سلاح التجويع.. قصفت المنشآت المدنية والمؤسسات المحمية بموجب القانون الدولي، قتلت الأطفال والمدنيين.. مارست جرائمها بلا شفقة، ودون أي اعتبار للقوانين الدولية، وللقيم الإنسانية.
منذ بدء العدوان اختلف الفلسطينيون في آرائهم إزاء ما يحصل؛ هذا الاختلاف بحد ذاته طبيعي ومشروع، الإشكالية في كيفية التعاطي معه. مع قناعتي بأن كل ما يُقال وما يُكتب لا يساوي دمعة طفلة غزية أفقدتها الحرب بيتها وأهلها، أو رجفة عجوز ينتفض من البرد، أو حزن تلميذ على مدرسته المهدمة. وكل آرائنا من مؤيدين ومتحمسين ومعارضين ومنتقدين أصغر بكثير من قدم طفل بترتها آلة القصف الهمجية، وكل خلافاتنا الفكرية والسياسية تتقزم إذا ما قورنت بعذابات عائلة تبيت في خيمة في ليلة ماطرة. وكل تقارير الصحافة وبلاغة المراسلين أعجز من أن تصف استشهاد طفل جائع سقط في قِدرٍ يغلي بعد أن وقف طويلاً في طابور مزدحم بالفقراء على أمل حصوله على كوب عدس. 
الكثير من تحليلات من يسمّونهم خبراء ومن منشورات الفيسبوك، عبارة عن بيع للأوهام، وسجالات عقيمة، وتبادل للاتهامات، أو مزايدة وترف فكري مقارنة بمعاناة الغزيين، ولا تعادل قطرة دم لمقاوم شجاع يتصدى لجيش الغزاة، ولا حسرة أم على ابنها، ولا حزن أب على بيته المهدم، ولا قلق شاب على مستقبله الضائع، ولا إحراج فتاة تبحث عبثاً عن متر مربع يوفر لها بعض الخصوصية.. لن تطعم جائعاً، ولن تحمي خيمة من القصف ولا حتى من قيظ الشمس. 
لا أقلل من أهمية الكلام، والإعلام، وضرورة النقاش والنقد، وحق الجميع في التعبير، وأهمية الكتابة والنشر والتوثيق، ومشروعية التنوع والاختلاف.. شريطة أن ننحني بخشوع واحترام أمام كل مواطن غزي يعيش في قلب المأساة، وفي عين العاصفة.. أن ننحني تواضعاً أمام خوفه وانكساره وحيرته وقلقه وشجاعته وتردده وحاجاته الإنسانية غير الملباة، وأمام آرائه ومتطلباته سواء بدت غريبة أو منطقية. 
لم يكن خلافنا على مبدأ المقاومة ومشروعيتها وأحقيّتها، فهذا موضع إجماع عند الشعب الفلسطيني منذ مائة سنة، الخلاف كان حول أسلوب «حماس» المتفرد والمغامر في المقاومة، وفي نظرتها باستخفاف إزاء التضحيات البشرية والمادية، وإهمالها أو تقصيرها في إدارة الجبهة الداخلية والإعداد للمعركة، وتهربها من تحمّل أي مسؤولية، وإصرارها على رفض أي حل قد يفضي إلى وقف الحرب. 
في البداية كانت مجمل الآراء مؤيدة ومتحمسة، وقد اكتسبت حينها «حماس» شعبية جارفة، خاصة خارج غزة، فالمعنويات عالية، والحرب في بداياتها، ووعود النصر وتحليلات الخبراء تنعش عواطفهم المكبوتة، وتعوضهم عن سنوات الهزائم والظروف البائسة والمذلة التي يعيشونها.. أصوات قليلة اعترضت ونبهت لخطورة الموقف.
أبناء «حماس» وأنصارها اتخذوا موقفاً متشدداً ومتشنجاً ضد كل من ينتقد الحركة، أو يشكك أو يطرح أسئلة أو يشير إلى حجم الكارثة المهولة التي لحقت بغزة، مستخدمين عبارات «ليس وقت النقد»، «لا صوت يعلو فوق صوت المقاومة»، «المقاومة مقدسة».. كل هذه الشعارات عبارة عن إرهاب فكري وقمع لكل محاولة نقد وتصويب. 
الذين تابعوا قصص بطولات المقاومين، ومقتل الجنود الصهاينة، وتدمير الدبابات.. واكتفوا بها، وتجاهلوا الجانب الآخر من المشهد؛ فعلوا ذلك لأن هذه الأخبار تمنحهم شعوراً منعشاً، شعوراً يعوّض مشاهد الدمار والخراب ومقتل وإصابة وإعاقة وفقدان ونزوح وتشرد مليونَي إنسان فلسطيني في غزة. بل وينسيهم ضياع غزة كلها.. تمنحهم شعوراً خفياً براحة الضمير، وإحساساً زائفاً بالعزة، ووعداً وهمياً بالنصر، وتبريراً لتقاعسهم عن فعل شيء حقيقي ومؤثر. 
في واقع الأمر الموقف الشعبوي المتشنج الرافض لأي نقد ينطلق من حالة قلق عميق على مستقبل ومصير «حماس»، والخشية من تعرضها لمحاكمة تاريخية (محاكمة شعبية، وعلى مستوى الوعي). فلو استقر في أذهان الغالبية أنَّ «حماس» هي التي جرّت الشعب الفلسطيني إلى حرب خاسرة، وبالتالي هي مسؤولة عمّا حدث.. ولو ساد اقتناع شعبي عام بأنَّ مقولات «حماس» عن «التضحية»، «ولا بأس من استشهاد مليون فلسطيني»، «وحتى آخر طفل فينا».. هي مقولات شعاراتية غير مسؤولة، وتدل على نهج متهور في إدارة الصراع.. ماذا سيكون مصير الحركة؟ خاصة بعد انتهاء الحرب، دون تبييض السجون، ودون فك الحصار عن القطاع، ودون تحرير القدس، ودون إيقاف عربدة المستوطنين.. وقد تبين بوضوح أن غزة نفسها احتلت، وخسرت أكثر مائتي ألف قتيل وجريح، وتدمر معظمها، ولم تعد صالحة للعيش، وكل وعود النصر والرهان على محور المقاومة، وزحف الشعوب العربية والإسلامية إلى الحدود.. كل ذلك كان مجرد أوهام وتمنيات ولكن بخسائر كارثية!!
مع مرور الوقت، وبسبب تكرار مشاهد القتل والتدمير، تراجعت مستويات الاستجابة الإنسانية وبهتت تعبيرات التعاطف والتضامن.. سابقاً، مثل هذه المشاهد المفزعة كانت كفيلة أن تهز ضمير وكيان كل إنسان، اليوم لم يعد أحد يبالي بها، ومع كثرتها تحولت إلى جزء من حياتنا اليومية، ومع توفر مخدرات نفسية ينتجها خطاب شعبوي انتهازي تحولت تلك المخدرات التعويضية إلى شعور طاغ باللامبالاة، ومن ثم إلى تغييب الضمير. 
بعد سنتين وافقت «حماس» على مبادرة ترامب، ثم ماطلت سنة حتى وافقت على تسليم سلاحها.. وهنا نحن أمام كارثتين، الأولى: هذا التأخر لم يكن يعني سوى الإخفاق في تجنب كل هذه الخسائر، بل منح إسرائيل الذريعة والوقت، وإطالة أمد معاناة الغزيين دون فائدة.. الثانية: أعلت «حماس» من خطابها حين وصفت السلاح بأنه «شرف الأمة»، ومن المستحيل تسليمه.. حسناً، باستخدام نفس المسميات ستقوم «حماس» بتسليم «شرف الأمة»، أو تخزينه (كأن المشكلة في تبديل المصطلحات). ثم بررت موقفها بأنه «لمصلحة غزة وأهلها».. طالما أن هذا القرار لمصلحة غزة وأهلها لماذا تأخرت «حماس» عن اتخاذه؟
أفضل وأهم ما يمكن فعله، أن نتعظ من هذا الدرس القاسي، أن نشخص أخطاءنا بدقة، ونعترف بها بشجاعة، حتى لا نكررها.. وأن نتوقف عن توزيع الاتهامات للآخرين بالخذلان، وتحميلهم المسؤولية.. هذا شرط أساسي للانبعاث من جديد، ما لم نفعل ذلك سنظل في دوامة الهزائم غارقين في طوفان الخراب.