نشرت في 05 أغسطس 2026 10:01 ص
https://khbrpress.ps/post/433529
إن الجيل المبدع من المعلمين الفلسطينيين كان ناتجاً من نواتج برامج التعليم في فلسطين قبل نكبة عام 1948، فقد كان حاملو شهادة الماتركيوليشن Matriculation، أي شهادة الثانوية العامة مثقِّفي أجيالنا، هذه الشهادة كانت معتمدة زمن الانتداب البريطاني على فلسطين، كانت هذه الشهادة حصيلة إحدى عشرة سنة من الدراسة، منها سبع سنوات ابتدائي وإعدادي، وأربع سنوات مرحلة ثانوية، وكانت الشهادة تخوّل حاملها دخول الجامعات في دول العالم، ولم يكن هناك دور ثانٍ لمن لم ينجحوا في الامتحان، لأن عليهم إعادة السنة كاملة، وكان خريجو هذه الشهادة أكْفاء مثقفين واعين تمكنوا من تأسيس نظام التعليم الفلسطيني، فأنتجوا جيل المعلمين والكتاب والأدباء والشعراء الكبار في فلسطين.
كانت شهادة الماتركيوليشن تركز على تدريس اللغة العربية واللغة الإنجليزية، وكذلك الرياضيات والعلوم والتاريخ كمواد ثقافية رئيسة في هذه الشهادة.
هذا النظام التعليمي والتربوي ظل عقبة في وجه المحتلين، الحقيقة هي أن الصهاينة أقاموا دولتهم فوق حضارة فلسطينية تربوية وثقافية عريقة، ومن هنا ظل هدف المحتلين هو الإجهاز على هذا التفوق التربوي والتعليمي في فلسطين.
سأظل أتذكر قصة المعلمين الفلسطينيين المبدعين في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، عندما كانوا إلى جانب المعلمين المصريين المبدعين مثقِّفي أجيال دول العرب الأخرى، لذلك نشطت في خمسينيات وستينيات وسبعينيات القرن الماضي حركات ابتعاث المعلمين الفلسطينيين والمصريين إلى تلك الدول، ليتولوا تأسيس النظام التربوي والتعليمي فيها، ويدرسوا أبناء العرب ويثقفوهم، وإلى جانب ذلك أسهم هؤلاء المعلمون الرواد بما كانوا يتقاضونه من مرتباتٍ جيدة في إنعاش أسرهم مادياً، وتولوا الإنفاق على إخوتهم وأقاربهم الدارسين في جامعات دول العالم، كانوا يتكفلون بمصاريفهم، وكانوا يساهمون أيضاً في إنعاش موازنات الحركات الوطنية في فلسطين، لأنهم كانوا يتبرعون بخمسة في المئة من مرتباتهم الشهرية لتعزيز النضال الفلسطيني.
سأظل أتذكر دور مصر في إنعاش التعليم والثقافة، وتعزيز المحصول المعرفي عند طلابنا في قطاع غزة في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، فقد أرسل لنا المصريون في عصر الرئيس جمال عبد الناصر خيرة مدرسيهم ليتولوا تعليم أبنائنا، هؤلاء المعلمون كانوا يسمّون (مدرس أول)، وهي رتبة تعليمية مميزة في مصر، كذلك أرسلوا لقطاع غزة المفتشين التربويين ليتولوا تدريسنا خاصة في المرحلة الثانوية، وقد أثرى هؤلاء المعلمون المصريون محصولنا المعرفي والثقافي، ما كان له أبرز الآثار في مسيرتنا التعليمية والثقافية الطويلة.
نفذ المحتلون في بدايات احتلال أرضنا في قطاع غزة عام 1967 المؤامرة الأولى لإضعاف النظام التعليمي والتربوي الفلسطيني، فقد سمحوا للمقاولين العاملين في إسرائيل باستئجار الأطفال من طلاب المدارس في قطاع غزة ليعملوا عمالاً في الزراعة، ما أدى إلى أن كثيرين من هؤلاء الصغار استسلموا لهذا الإغراء بحكم سنهم الصغير، تركوا مدارسهم وأصبحوا عمالاً في مزارع إسرائيل، على الرغم من أن مواثيق الأمم المتحدة تُجرِّم عمل الأطفال دون السن القانونية، كما أن المحتلين أشرفوا على إدارة المدارس، وعينوا ضابطاً إسرائيلياً مسؤولاً عن التعليم.
أما الضربة القاضية لنظامنا التعليمي والتربوي فحدثت بعد كارثة السابع من أكتوبر 2023، فقد نجح الإسرائيليون نجاحاً باهراً حين دمروا ثلاثة أرباع مباني غزة، ما دفع المهجَّرين الفلسطينيين إلى السكن في المدارس والجامعات، وهذه الخطة أدَّت إلى تدمير البنية الأساسية لهذا التعليم في فلسطين، فقد جعلوا المدارس أماكن لجوء للعائلات المشردة المدمرة بيوتها، وأجبروا هؤلاء المشردين أن يحولوا فصول الدراسة إلى ملاجئ دائمة، ما دفعهم بحكم الضائقة الشديدة لأن يحرقوا مقاعد الطلاب الخشبية والدفاتر لينضجوا طعامهم، وكذلك دمروا ما تبقى من مقتنيات المدارس، من المكتبات والأرشيفات.
بسبب هذه المأساة اضطر الفلسطينيون أن يحولوا الامتحانات العامة إلى امتحانات رقمية عن بعد، لتصبح الامتحانات فضاء رقمياً غير موثقة النتائج.
في مقابل كل تلك المأساة في تعليمنا الفلسطيني، قرأتُ خبراً في الصحف الإسرائيلية جاء فيه: ستمنح إسرائيل سبع جوائز للمعلمين الإسرائيليين المبدعين في دول العالم يوم 12-10-2026، لأنهم معلمون متميزون، وسوف يقدم الجائزة عميحاي شيكلي وزير الدياسبورا. قال هذا الوزير: «المعلمون هم في المرتبة الثانية بعد العائلة، هم روح الشعب اليهودي، هم ناقلو تراثنا إلى الأجيال الآتية، وكان لأحداث السابع من أكتوبر دليلٌ على ذلك، فمن يملكون روح الانتماء هم المدافعون عن الوطن، المعلمون هم خط المواجهة الأول» (جيروزاليم بوست 27-7-2026).
ظل التعليم هو الركن الرئيس في إسرائيل بعد الجيش، بل كانت وزارة التعليم مفضلة حتى على وزارة الجيش في إسرائيل، لأنها أساس تكوين الجيوش، ففي عام 1950 شكلت الحكومة الإسرائيلية لجنة فرومكين للعثور على ثغرات نظام التعليم في إسرائيل، أصدرت اللجنة التوصية التالية: «إن المدرسين من أعضاء الهستدروت غير أكفاء، لا يصلحون لتنفيذ الأهداف السابقة، فهم سيئو المظهر وغير مؤهلين، طالبت اللجنة بتغيير شعار التعليم من بوتقة صهر إلى شعار جديد وهو التعددية الثقافية»، وكان من نتيجة توصيات هذه اللجنة أن استقال أول وزير للتعليم في إسرائيل، زلمان شازار، ما أدى إلى إسقاط أول الحكومات في إسرائيل 1951 بسبب الصراع على وزارة التعليم. قال الإعلامي، يائير لابيد رئيس حزب «هناك مستقبل» عام 2013 : «من يملك وزارة التعليم يملك المستقبل في إسرائيل».
سأظل أتذكر الشعار المركزي الذي أقره زعماء إسرائيل الأوائل بعد عام واحد على إعلان قيام إسرائيل، أي في عام 1949: «التعليم هو مصنع لإنتاج روح الأمة».
فقد اعتبروا التعليم بوتقة صهر الأجناس المختلفة من اليهود ممن هاجروا إلى فلسطين من ثقافات وإثنيات ولغات مختلفة.
وقد اعتبروا إعلان قيام إسرائيل ناتجاً من نواتج برامج التعليم اليهودية وكان إعلان الاستقلال يشير إلى التعليم بهذه الصيغة: «سيكون التعليم للجميع مقاماً على أسس ديمقراطية، وسيعمق الشخصية الريادية اليهودية المرتكزة على مبادئ الصهيونية الثقافية والاجتماعية، بما يتلاءم مع الحركة العمالية في دولة إسرائيل، ويتوافق مع النشاط الاستيطاني في أرض الميعاد وإقامة الكيبوتسات».
وضع الإسرائيليون شعاراً للتعليم الديني وهو: «بناء جيل متدين حضاري، له شخصية صهيونية، يجب المزج بين الدين وعلوم العصر، والاستفادة من التعليم في أوروبا وأميركا».
غير أن التعليم الديني في إسرائيل تمرد على المقولة السابقة حين استولت حركة، «شاس» على منظومة تعليمها الخاص (همعيان) ولم تلتزم بالبرنامج الرسمي الحكومي، وخرجت مدارس الحريديم أيضاً عن سيطرة التعليم الحكومي الرسمي، وهذا أثار البروفسور الإسرائيلي دان شختمان الحاصل على جائزة نوبل في علم الكيمياء عام 2011 حين قال: «احذروا التعليم في المدارس الدينية اليهودية، فهو تعليم يُهدد مستقبل إسرائيل، وهو أسوأ من التعليم الرسمي في إيران، فالطلاب الإيرانيون لا يُجبرون على دراسة القرآن طوال اليوم، كما يفعل اليهودُ الحريديم، الذين يمضون يومَهم كلَّه في دراسة التوراة، فالطلابُ الإيرانيون يتعلمون العلوم، أما في معاهد التعليم (الحريدية) اليهودية لا يتعلم الطلاب المواد المقررة من وزارة التعليم الإسرائيلية، وهي مواد التطور والنهضة، فهم لا يدرسون مادة العلوم، الرياضيات، اللغة الإنجليزية، لذلك فإن كل عالِم إسرائيلي جديد، يقابله عشرون عالماً إيرانياً، إن هذا التعليم الأصولي الحريدي أكبر مُهدِّد لمستقبل إسرائيل». (صحيفة ذي ماركر الاقتصادية 11-6-2018)
نظراً لأهمية التعليم فقد انضمت إسرائيل إلى دول التنمية الاقتصادية OECD، مع العلم أن عدد دول المنظمة 38 دولة ليست بينها أي دولة عربية للأسف، أسست المنظمة عام 1961 بهدف تحقيق الازدهار والرفاهية لكل دول المنظمة، كانت إسرائيل في تسعينيات القرن الماضي في المرتبة الثالثة بين 38 دولة من حيث عدد الحاصلين على شهادات أكاديمية عليا، وهي في إحصاء عام 2025 أصبحت في المرتبة العشرين، وقد أشعل المسؤولون الإسرائيليون الضوء الأحمر، خاصة عندما انخفضت نسبة المتفوقين في مادتَي الرياضيات والعلوم.
تذكَّروا، أن وزارات التعليم في كثير من الدول (النائمة) تعتبر عبئاً على ميزانيات تلك الدول، فالمدارس والجامعات عند هذه الدول دفيئات لإنتاج الموظفين الحكوميين فقط لا غير، وليست مراكز إبداع للمنافسة على النهضة المستقبلية، للأسف!