نشرت في 16 يناير 2026 10:15 ص
رغم ما يظهره كل من الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ومجرم الحرب رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو من مظاهر القوة السياسية، استناداً لما بين يديهما من قوة عسكرية، إلا أن الحقيقة هي أن الرجلين يتكئ أحدهما على الآخر، بسبب ضعفهما السياسي على الصعيد الداخلي، وهذا الضعف يعود إلى أنهما يسيران على خيط سياسي رفيع، مثير للجدل والخلاف الداخلي، نظراً لما ينطوي عليه من مغامرة، غير مضمونة النتائج، هي أقرب - أي النتائج إلى أن تكون نتيجة مقامرة - فإما أن تحقق كل شيء أو لا شيء، إما أن تصيب ربحاً صافياً 100% أو 0%، والمغامرة الإسرائيلية التي دفع نتنياهو إسرائيل إليها، تحدد مصير ومستقبل إسرائيل في الشرق الأوسط، والذي جعله يذهب إلى أحد خيارين متضادين، فإما أن تسيطر إسرائيل على كل الشرق الأوسط، وتوسع حدودها الجغرافية لتشمل كل فلسطين التاريخية، مع مناطق إضافية على حساب دول الجوار العربي، لبنان وسورية، والأردن ومصر، وإما أن تضطر إلى الانكماش فتعود بالكاد إلى حدود 1967، بشروط أسوأ ما كان يمكنها الحصول عليها، أنها سارت مع الجانب الفلسطيني على طريق أوسلو.
وترامب بمغامرته في أميركا اللاتينية وفي دفعه الولايات المتحدة للدخول في طريق النار في الشرق الأوسط بالدخول عبر حرب مباشرة مع إيران بديلاً عن إسرائيل، وفي المحيط الأطلسي، بفك الشراكة مع أوروبا وتبديد الناتو، على حدود غرينلاند، يقامر بمستقبل أميركا ليس كزعيم لنظام عالمي أحادي، ولكن كأحد أطراف مثلث أو مربع يقود النظام العالمي القادم، ربما كطرف هو الأقوى، إلى مجرد دولة إقليمية عظمى، هي كذلك ولكن فيما وراء البحار، أي في نطاق العالم الجديد، أو الأميركيتين.
ونظراً للعلاقة التاريخية أو الاستراتيجية بين الولايات المتحدة وإسرائيل، ولأسباب أخرى إضافية هي الأهم، ورغم وجود اختلافات ما بين ترامب ونتنياهو، إلا أن التلاصق بينهما أو المصير المتشابه يدفعهما للاتكاء أحدهما على الآخر، وفق منطق «وافق شن طبقة»، والحقيقة أن ترامب لا يخلص لا لعلاقة تاريخية ولا لأي معايير أخلاقية، ويمكنه أن «يبيع» نتنياهو في أي لحظة إن كان له في ذلك مصلحة، كما فعل مع الشركاء الأوروبيين وكذلك الكنديين، ونتنياهو الكاذب والذي لم يخلص ولم يلتزم يوماً بأي اتفاق أبرمه ولا حتى مع بيني غانتس، لا يلتصق بترامب استناداً للعلاقة الاستراتيجية بين البلدين، بل ليضمن بقاءه في مقعد رئيس الوزراء.
أما من منهما بحاجة للآخر أكثر، فهذا الأمر يعتمد على تغير المواقف ارتباطاً بتطور الأحداث في بلديهما، فنتنياهو بدا أنه بحاجة إلى ترامب، بل ظهر في لحظة أن كل مستقبله بين يدي الرئيس الأميركي، بعد أن راهن أولاً على دخوله البيت الأبيض وكان ذلك مراهنة تصل حدود المقامرة، وهو من أجل تلك المراهنة، قاوم ضغوط جو بايدن لوقف الحرب العام 2024، لأن الرئيس الأميركي السابق كان بحاجة لوقف الحرب حتى يعزز من فرصه أولاً في الترشح للولاية الثانية، وثانياً لتعزيز فرصة المرشحة الديموقراطية كامالا هاريس بالفوز في السباق نحو البيت الأبيض، وفعلاً كسب نتنياهو الرهان، ومنذ أن دخل ترامب البيت الأبيض، وهو يبدو الوحيد الذي بإمكانه أن يوقف نتنياهو عند حده، لكنه لم يفعل، لم يجبره على وقف حرب الإبادة، وهو يعرف حاجة نتنياهو لها للبقاء في الحكم، وإن ذلك كان على حساب إسرائيل نفسها التي احترقت بنار الحرب على الصعيد العالمي، ولأن الرجلين لا يقيمان أي اعتبار للأخلاق في السياسة، فإن أحدهما لا يتورع عن استغلال حاجة الآخر، لزجه في الطريق الذي يريده هو، ولأن ترامب لا يترك مكاناً يجد فيه إمكانية للسطو على أموال الآخرين، فإنه لا يظهر حتى اللحظة، نيته للخروج من الشرق الأوسط، انسجاماً مع ترتيب عالمي غير معلن أو أنه صار بحكم التوافق، قريباً من اتفاق «يالطا»، فيترك ما هو في الشرق للشرق.
واختلاف الرجلين ظهر في ملف غزة، ليس كخلاف سياسي، بل كخلاف على «تقسيم» الغنائم، فترامب يريد المرحلة التالية، التي تجعل منه حاكماً أعلى لقطاع غزة، يضع يده على «حصة الأسد» من أموال الإعمار، التي ستخرج من جيوب دول الخليج، وكذلك من أموال الاستثمار لاحقاً، خاصة في حقل غاز مارينا، والأهم مما سيدره طريق الهند، لذا فإنه من أجل هذا يتدخل في ملف إيران، ليضرب عصفورين بحجر واحد، أو حتى ثلاثة عصافير، أولها أن يسقط النظام الإيراني، حتى يضمن فتح «صنبور» المال الخليجي ليستثمر فيما سيقيمه من مشاريع في الشرق الأوسط أو تمر عبره، وحتى يضيف إليه أموال النفط الإيراني أيضاً في حال تغيير نظام طهران، ليكون موالياً، أو حتى خاضعاً للقرار الأميركي، وهكذا فإن التهديد الذي يطلقه ترامب ليل نهار ضد إيران بات يتجاوز حدود التأثير الإسرائيلي، كما كان الحال في شهر حزيران الماضي مثلاً، ويتجاوز حتى حدود القول إنه نجم عن إقناع نتنياهو له حين التقاه قبل أسبوعين في فلوريدا، ليقايضه على المرحلة الثانية من خطة غزة، بمنحه الضوء الأخضر لضرب إيران مجدداً، لتكون النتيجة هي أن ترامب هو من يهدد إيران اليوم وليس نتنياهو!
المهم أن كلا الرجلين يواجه مشاكل داخلية، فنتنياهو يواجه احتجاجات متواصلة، تتجاوز المعارضة السياسية، منذ شكل حكومته الحالية قبل أكثر من 3 سنوات، أولاً على خلفية صراع حكومته مع مؤسسات الدولة العميقة، تحديداً القضاء، ثم الجيش ومؤسسات الأمن، ثم على خلفية الحرب، وخاصة ملف المحتجزين، الذي لم يعد موجوداً اليوم، ورغم ذلك ما زالت استطلاعات الرأي تمنح المعارضة السياسية على «علاّتها» الأفضلية، وإن كانت استطلاعات الرأي لا تمنح أياً من معسكري الائتلاف أو المعارضة أغلبية صريحة دون العرب لتشكيل الحكومة، إلا أن معارضة بزعامة نفتالي بينيت ومع نتائج قريبة من استطلاعات الرأي، يمكنها أن تشكل الحكومة «بنصف» مقاعد العرب، كما فعلت خلال فترة الكنيست الرابع والعشرين السابق للحالي، لذلك فإن نتنياهو ما لم ينجح في تغيير مزاج الناخبين، إن كان من خلال تحقيق نتائج صريحة عبر العودة للحرب، مع أن سقوط نظام الأسد، واغتيال حسن نصر الله وإسماعيل هنية ويحيى السنوار لم يكن كافياً، والدليل استطلاعات الرأي، أو من خلال لعبة داخلية، فإنه لن يذهب لتبكير موعد الانتخابات، وربما سيحاول تأجيلها بشن حرب جديدة.
أما ترامب فإنه ما زال يذهب في كل الاتجاهات، ولا يقتصر السطو لديه على مربع جغرافي بعينه، إلى أن يجبر على ذلك، لكن أمام الرجلين محطة هي الفاصلة - بتقديرنا - وهي المحطة الانتخابية، والتي وهذه صدفة غريبة، رغم أنهما كانا محظوظين في أن يكونا معاً في الحكم على جانبي العلاقة الاستراتيجية بين دولتيهما، إلا أنهما لن يكونا كذلك في شهر تشرين الثاني القادم، وهو موعد الانتخابات النصفية في الولايات المتحدة، حيث ينتخب الأميركيون نصف عدد أعضاء الكونغرس بمجلسيه النواب والشيوخ، وكذلك عدداً من حكام الولايات، فيما ستكون إسرائيل من جهتها قبل ذلك بأيام، أي في أواخر تشرين الأول على الموعد الدوري لانتخاب الكنيست السادس والعشرين، وانتخابات الكونغرس النصفية، عادة ما تعيد التوازن السياسي لنظام الحكم الأميركي، وهو المختل حالياً، حيث البيت الأبيض وأغلبية مجلسي الكونغرس بلون واحد هو اللون الأزرق، وهذا ما يمنح ترامب القدرة المطلقة على اتخاذ القرارات على هواه، تلك القدرة التي ظهرت كقرارات مرتجلة وغير محسوبة العواقب طوال عام مضى، أما في حال أن الكونغرس خسر أغلبيته الجمهورية، وفاز الديموقراطيون بالأغلبية، فإن ما يتبقى من ولاية ترامب، وهي عامان حين ذاك، فسيكون وفق وصف البطة العرجاء، كما توصف عادة الإدارة الأميركية التي لا تكون أغلبية الكونغرس على شاكلتها الحزبية.
أما حال نتنياهو فلن يكون أفضل من حال مثيله السياسي، فانتخابات الكنيست القادمة قد تكون فارقة جداً في تاريخ إسرائيل، فتضع حداً لمغامرة نتنياهو المستمرة منذ ثلاثة عقود، وهذا ما شجع عليه إيهود باراك آخر رئيس حكومة عمالي أو غير يميني إسرائيلي، حين دعا لتوحيد حزبي بينيت وغادي أيزنكوت، حتى تنجح المعارضة وبشكل مؤكد في إسقاط نتنياهو وفي تغيير مساره الذي يقامر بمستقبل إسرائيل.
وهكذا فليس هناك أمام الثنائي ترامب - نتنياهو إلا عدة أشهر، لفعل كل ما يمكنهما فعله من أجل لي عنق التاريخ، وإخضاع العالم بأسره، وخاصة منه الشرق الأوسط وأميركا اللاتينية، ومن ثم أوروبا، وربما بعد ذلك إفريقيا، للإبقاء على النظام العالمي الحالي، وذلك بإجهاض كل ما يظهر من علامات تغييره، لكن مع ملاحظة أن أحدهما يمكن أن يغدر بالآخر في أي لحظة.