كتب عيسى قراقع

موت بلا قنبلة: الرضيع الذي قتله العالم البارد

نشرت في 16 يناير 2026 10:41 ص

كتب عيسى قراقع

وكالة خبر

عمره سبع ايام، هبط على أرض غزة من سبع سماوات شاهقات مدهشات، يحمله والده وهو  يبكي، لقد تجمد من البرد ومات قبل أن تنطلق من حنجرته صرخة الحياة، أنه الطفل الرضيع محمود الاقرع، قتله برد الشتاء وبرد العالم الصامت يوم 9.1.226، اكتملت الحرب في ابشع انحدار للنظم والقيم واللغات التائهة.

هذا الطفل لم ينطق اسمه في الهواء، ولا مناغاته في أجواء البيت او الخيمة الشاردة، لم يمت لأن قلبه كان ضعيفا، ولا لأن حاخام اسرائيل الأكبر حلل قتل الأطفال الرضع، ولا لأن جسده خان الحياة التي أراد أن يعرفها، بل لأن هذا العالم قرر أن يطفئ المدفاة  الأخيرة: الرحمة.

هل رأيتم كيف ترتجف اضلاعكم، وثصطك اسنانكم ومفاصلكم عندما ترتعش القلوب الصغيرة؟ شعب يغرق في دمه، وفي الطين والوحل والمياه الغزيرة، خيام تجرفها القنابل والعواصف في هذا البرد القارس، صارت غزة اكبر ثلاجة موتى في عصر العولمة وفي ليالي الشتاء العقيمة، سقطت السماء وانكشفت واكتملت في كفن الطفل المتجمد بردا ورعبا كل تفاصيل الجريمة.
مات الطفل محمود الاقرع وأكثر من 18 طفلا زهقت أرواحهم من البرد الشديد، تجمد الحليب في صدر الام، تجمد الملح والرمل،  تجمد الضمير الانساني، برد في القانون الدولي، وبرد مشتعل في هذه الإبادة التي تركت الطفولة بلا غطاء، عالم بلا خجل، عالم يتلوث أخلاقيا وهو يحمل في داخله طفولة ميتة، عالم ينظر إلى غزة وقد تحولت إلى قبور مبعثرة ومؤجلة، عالم يغلق البوابات كلها ويريدنا أن نصدق خطاباته الباردة المزدوجة.

وصلت الطفلة هديل حمدان 9 سنوات إلى مستشفى الشفاء جثة هامدة بعدما توفيت نتيجة البرد الشديد وسوء الأحوال الجوية، تأخر مجلس السلام في غزة، انخفضت درجة الحرارة، لا حطب ولا طحين ولا بطانيات، لا مساعدات ولا ايواء، لا أدوية ولا غذاء ولا وقود، درجة حرارة الضميرالانساني تساوي صفر، تقطعت الأنفاس وانتقلت الحرب إلى العظام، طارت الخيام في هذه الرياح اللاسعة، انهارت المباني، المنخفض الجوي يشن حربا صامتة في بيئة مدمرة تنتج الموت البطيئ، وتجعل الحاجة الإنسانية الأساسية رهينة سياسية.
الطفلة هديل التي سحقها البرد حتى جفت ونشفت و توقف فيها الحلم والنوم، ظلت تتساءل قبل الموت وهي ترتجف:  كيف يسمح المجتمع الإنساني المتخم بالانظمة الفكرية والسياسية الدافئة أن يجعل الدفء امتيازا قابلا للمساومة؟
تجمد الرضيع محمود الاقرع، وتوفي الطفل محمد سالم ابو هربيد البالغ من العمر شهرين من البرد القارس، وتوفيت الرضيعة رهف ابو جزر في خيمتها الغارقة بالمياه دون أن يسمعها احد، نزوح  وهجران انساني دون صورة في تقرير أممي غائب لم يدرك أن أخطر أنواع الحروب حين لا تسمع صوت الانفجارات، لكن تسمع طقطقة الاسنان من البرد.
غزة عارية، ولكن النظام الدولي المشارك والعاجز والذي ضرب غزة بكل أنواع الأسلحة يبدو أيضا عاريا، يقف بلا ملابس أخلاقية ولا يهتز، لم تسقط دمعة ولم تعلق معاهدة، ولم تسقط وزارة، لا عدالة ولا محاسبة، حتى البرد صار سياسة، وأداة قتل نظيفة لا تترك دخانا، الإبادة لم تنته بل نزلت إلى العمق، انسحبت من السماء ودخلت إلى الأجساد بردا  دون انتباه واسئلة، أنه مذبح الحضارة حيث تذوب الإنسانية في فراغ اللامبالاة الكونية.
عندما بتجمد طفل في غزة ليس مجرد مأساة إنسانية عابرة، بل هو فصول من حرب تدور في الخلفية المظلمة، انها حرب لا تحتاج إلى قذائف ولا طائرات، إنما تعتمد على سلاح أكثر دموية: التجريد الإنساني المنظم، فعندما يتجمد طفل في عالم يمتلك كل تقنيات التدفئة فإننا أمام جريمة وجودية قبل أن تكون سياسية أو عسكرية.
اين قانون حماية الطفل؟
هو معلق على الجدران.
نص انيق لا يتحمل البرد .
حبر لا يدفئ رضيعا.
وشعار يسقط اول ما تسقط الخيمة