نشرت في 07 مايو 2026 11:50 ص
https://khbrpress.ps/post/430017
حين تتناول موضوع الأيتام في أيّ حديث لن يكون إلا عن أيتام غزّة، لأنّه لم يأتي ولن يأتي مجزرة أو مقتلة أو محرقة كما تشاءون أنّ تطلقوا عليها مثل التي حدثت في غزّة، والتي خلفت عشرات الآلاف من الأيتام والأرامل، محرومون من حنان الأم أو الأب أو كليهما.
في غزّة فقط تتنوع فصول الألم والوجع والقهر والكسرة التي تجدها في أعين الأيتام لن تجدها في أيّ عين أخرى على غير هذه البقعة المحروقة من الكوكب.
أطفال في غزّة لم يكادوا يخرجون للحياة إلا وصفعتهم على وجههم صفعات حارقة وشديدة بعد أنّ حرمتهم من آباءهم وتركتهم يتجرعون مرارة الحياة وقسوتها.
وقبل الحديث عن الأعداد التي خلفتها آلة الحرب الهمجية على عائلات غزّة والأرقام الفلكية التي لا يكاد أيّ عقل بشري أنّ يستوعبها دعونا نسلط الضوء على بعض قصص مخبأة بين جدران البيوت والخيام وعلى قارعة الطريق، ليرووا لنا الحكاية من بدايتها للنهاية.
وكالة “خبر” تحدثت إلى بعض العائلات “ليس بالضرورة التحدث عن عائلة كاملة ينقصها فرد، فربما عن ناجٍ واحد من تلك العائلة والبقية شهداء وأُكسبه شرف المسمى الذي فقده منه”.
“أهلي كلهم استشهدوا”
"محمد جبريل" وهو الناجي الوحيد من عائلته التي استهدفها طيران الاحتلال في شمال القطاع في الأيام الأولى للحرب قبل أن يقوم الناس بالنزوح لوسط وجنوب القطاع.
يُحدثنا محمد ابن السابعة عشرَ عاماً عن اللحظات الأخيرة التي سبقت قصف المربع السكني الذي كانت تقطن به عائلته، فيقول: “في الأيام الأربعة الأولى من الحرب حين كانت الحرب في أوجها ووحشيتها، كنا نشاهد القصف على أهداف متعددة في الكثير من الأماكن لم يكن بمقدورنا أنا وأهلي إلا أن نختبئ في الطابق السفلي من العمارة بعيداً عن الشظايا والقصف (مثلما كنا نعتقد)، كنا أسرة مكونة من سبعة أفراد أبي وأمي وأنا واخوتي الأربعة ثلاثة صبيان وابنة واحدة مدللة أبيها وريحانة قلبه كما كان يناديها دائماَ، شهد التي شرفت عائلتنا الصغيرة بعد أعوام طويلة من اشتياق أبي وأمي لرؤيتها، وكنا نقطن بالطابق الثاني من العمارة وفي الطابق الأول كان يعيش أعمامي أما الطابق الأرضي فكان عبارة عن حواصل مغلقة كنا نحتمي من أي قصف سابق بالنزول والاختباء بها ولم نكن ندري أنها ستكون قبر عائلتي”.
ويُتابع: "في اليوم الرابع للحرب اشتدت الضربات وكنا في معظم الوقت نجلس في (الحواصل) ولا نصعد للدور الثاني إلا في وقت الحاجة لبعض الأشياء وننزل بسرعة، أتذكر يوم استشهاد أهلي طلب مني والدي كوني أكبر إخوتي الصعود للشقة وأُحضر له سماعة الأذنين الخاصة بهاتفه لكي يتابع الأخبار ويكون مطلعاً عما يجري في الخارج وما إن صعدت للشقة وأثناء بحثي عن السماعة بجانب الشباك لم أرى شيئاً ولم أُحس بشيء إلا وأنني أطير بعيداً خارج الشباك ولهب شديد يحرقني، ولم أفق إلا بعد أسبوعين حين أخبرني من حولي أنّ الاحتلال استهدف منزلنا بصاروخ مباشر وكان موجهاً من الأسفل وقد نزل مباشرة على أهلي وأعمامي وأبناءهم، أما أنا فقد قذف بي الصاروخ لخارج المنزل ويرميني على سطح الجيران الذين أسعفوني وبي كسور كثيرة وارتجاج بالمخ وحروق في القدم والوجه، كل ذلك لم يهمني سوى أن أطمئن على عائلتي ومَنْ نجا منهم، لأستقبل الصدمة التي قصمت ظهري وجعلتني أصرخ مثل المجنون بعد أن علمت باستشهاد أبي وأمي واخوتي وأعمامي الاثنين وأربعة من أبناءهم أما البقية والذين يقدر عددهم بـ10 أفراد خرجوا من الموت بأعجوبة منهم من فقد ساقه أو يده أو أصيب بكسور تطلب وضع بلاتين له ليكون كابوساً مضافاً على كابوسه".
وأضاف محمد: "كانت خالتي وجدتي وأخوالي جواري فترة علاجي حتى استعدت جزءًا من عافيتي وأخدوني للعيش معهم، صحيح أنهم لم يقصروا في تقديم الدعم والمساعدة لي، ولم يجعلوني أشعر بالوحدة أو الغربة بعيداً عن أهلي، إلا أن الغربة تعيش في قلبي وشعور الفقد موجع لن يمحيه أي قريب أو حبيب، أبي وأمي واخوتي لن يعوضني عنهم أحد، أشعر بأن روحي تخرج من ضلوعي حين أتذكر أنني لم ولن أعد أراهم مرة أخرى، وبعد مرور أكثر من سنتين وبما أنني أكبر ولكن مازالت الحروق شاهدة على جسدي وتؤرقني ولن تجعلني أمارس حياتي كما السابق ولن أكون طبيعياً لا من الداخل ولا من الخارج توجهت للعديد من المؤسسات للتكفل بي وبعيداً عن المجاملة إن وجدت إحداها تقدم لك دعماً شهراً لا تجدها تُقدمه في الشهر القادم، حتى أنني أذكر بأنّه في يوم ما توجهت لمؤسسة معروفة ومشهورة بدعم الأيتام وطلبت منهم دعمي لكنهم رفضوا بحجة أنهم لا يدعمون إلا المنتسبين لهم في المخيم الذي أقامته لهم، وأن الذين في مثل عمري لا يمكن تكفلهم بشكل كامل، ويمكنهم تقديم طردا غذائي لي إن توفر، لقد وصل عمري الآن سبعة عشرة عاماً ولا أملك من الحياة شيء حرموني العائلة وحرموني المساعدة تحت بند السن القانوني، فإلى أين ولمن نتوجه، سوى لرب يرى ويسمع ما نعانيه ونقاسيه في غزّة".
“انتزعوا الحياة من بين أحضان أطفالي”
“أم كنان” قصة أخرى لأمرأة فقدت معيلها وزوجها وسندها بعد الله في هذه الحياة، بعد أنّ ترك لها الأب ثلاثة أطفال صغار متعلقين بوالدهم ومتعلق به كتعلق العطشى بشربة ماء في الصحراء، كيف لا وقد حُرم من الإنجاب لنحو 15 عاماً وبعد أنّ رزقه الله بهم كان يخاف عليهم من نسمة الهواء وهي تسير بجانبهم، لا يكادون يطلبون شيئاً إلا وكان حاضراً في الحال، أصغر أبنائه طفلة مدللة لم تبلغ من العمر سوى عامين وأكبرهم كنان ابن الخمسة أعوام والآخر يوسف ابن الأربعة أعوام، أطفال بعمرهم يكونون في أمس الحاجة لوجود الأب والأم معاً في حرب لم تترك أحداً مع الآخر، فرقت وقتلت ونزعت أيّ فرحة في القلب والروح"
تقول لمراسلة “خبر”: "منذ أنّ استُشهد زوجي وأنا ضائعة، أطفالي صغار وأفكاري تأخذني إلى الهاوية كلما تذكرت أنّه فارقنا ولن نراه مجدداً ويكون بيننا ويراعي أطفاله كما عهدناه، كان يحبهم حباً لا يمكن وصفه، حتى أنني أذكر بأنه وقت المجاعة كان يجوع ويخبأ حصته من أي لقمة في جيبه لأولاده، كان يقول لي دائما (أنا بقدر ع الجوع بس أولادي صغار ما بيقدروا) وبالعامية الغزاوية بيقطع عن تمه مشان يطعمي أولاده، ولم يكن يقصر في أحد، يده ممدودة للخير دائماً والحمد لله غادر هذه الدنيا بمحبين كُثر، ولم ينسى محبينه أولاده من بعده كل فترة يتفقدوننا ويرسلون ما تجود به أنفسهم".
وتُتابع حديثها: “من يعطي هذه الأيام سيعطي شهر أو شهرين قولي سنة وبعد ذلك سيتوقفون عن المساعدة وأطفالي مازالوا صغار وأنا ليس لدي أي فرصة عمل يمكن أن أستر بها نفسي، وتصعب علي نفسي كثيراً كلما أستوعب أنني وأطفالي نعيش على المعونات والمساعدات، بعد أن كنا أولاد عز نعيش في كنف رجل يعرف معنى وقيمة الأسرة، خسرنا بيتنا وخسرنا زوجي وخسرنا طعم الحياة من بعده”.
وأوضحت أم كنان أنّها طرقت أبواب مؤسسات كثيرة لرعاية أيتامها الصغار وقد سجلت في روابط كثيرة تابعة لمؤسسات محلية ودولية ولكن الاستجابة ضعيفة كل فترة طويلة وأخرى يتذكرون أطفالها بكسوة ليست على مقاسهم أو طرداً غذائياً، وهي الآن تنظر بعين إلى السماء لرب كريم أن يرزق أطفالها وبالأخرى للقلوب الرحيمة أن تنظر لحالها وحال صغارها وتساعدهم بشكل ثابت شهرياً لكي يستطيعون العيش في بقعة من الأرض غابت عنها الحياة.
يُذكر أنّ وزارة الصحة الفلسطينية كانت قد أعلنت في إحصاءاتها الاخيرة عن أن هناك أكثر من 58.554 يتيماً في غزّة 49.758 منهم فقدوا الأب، و 6103 من فقدوا الأم، و 2693 ممن فقدوا كلا الوالدين، وبذلك يتربع الاحتلال على عرش مقتلة وجريمة لم ولن يشهدها العالم في العصر الحديث وإجرام دموي كان ضحيته مئات الآلاف من المدنيين في غزّة.