خرج حيًا بعدما نُعي شهيدًا: ما رواه أسير عاد من جحيم سجون الاحتلال

نشرت في 01 يونيو 2026 08:21 م

سنابل الغول - غزة - وكالة خبر

https://khbrpress.ps/post/430957

الأسير محمد الكحلوت

وصف الصورة: الأسير المحرر محمد الكحلوت 36عامًا يرتدي زي إدارة السجون "الشاباص" عقب الإفراج عنه، مثقلًا بذكريات  19 شهراً من التعذيب داخل جحيم "سديه تيمان" و"عوفر".

“جرّدوني من ملابسي، وأجلسوا الكلب فوقي وأنا عارٍ.. دخلت في صدمة، وبقيت ثلاثة أيام دون طعام أو شراب؛ فقط أحدّق في الفراغ”.

كان ذلك أحد المشاهد المرعبة التي تثقب جدار القلب بإزميل الرعب، من بين ما عاشه الأسير المحرَّر محمد الكحلوت، الذي اعتُقل في 12 آذار/مارس 2024، وأُفرج عنه في 13 تشرين الأول/أكتوبر 2025.

عائلته لم تستقبله بوصفه عائدًا فقط، بل بوصفه ناجيًا من موتٍ سبقهم خبره؛ إذ وصلهم، عبر أسير محرر، أنه استُشهد أثناء القمع في معتقل سديه تيمان.

تسعة عشر شهرًا من العذاب، والموت على قيد الحياة، قضاها محمد في سجون الاحتلال.

يعود محمد بذاكرته إلى أول يوم اعتقال: “كنت على الحاجز بين الشمال والجنوب، حين أوقفني الجندي أمام كاميرا وطلب بياناتي الشخصية. بعد أن أعطيته المطلوب، جاء جنديان ومعهما كلبشات سوداء وعصبة عيون، واعتقلاني”.

في البداية، خضع لتحقيقٍ ميداني داخل شاليه في مدينة غزة، وهو مكان اعتقاله الأول.

ألبسوه خلاله الكفن الأبيض، وامتد التحقيق من الساعة الحادية عشرة صباحًا حتى الخامسة مساءً.

لاحقًا، اقتاده جيب عسكري، مع آخرين، إلى معتقل سديه تيمان، حيث بدأت رحلته في سراديب العذاب.

سديه تيمان: حيث يفقد الزمن معناه

يستعيد محمد ساعات التحقيق الطويلة، تلك التي يفقد فيها الزمن معناه، ويقول: “كانوا يضربوننا طوال الوقت، ضربًا مبرحًا يكسرون فيه عظامنا. وفي ليلة 28 رمضان، الساعة الثامنة صباحًا، أخذتني الاستخبارات العسكرية للتحقيق، وقاموا بشبحي لمدة 13 يومًا تحت الضرب والتكسير، بتهمة أنني من عائلة الكحلوت، ظنًّا منهم أنني قريب لأبي عبيدة”.

يحاول محمد أن يوضح أنه أخبرهم مرارًا بأنه لا يعرفهم، لكنهم أصرّوا على تعذيبه، بحجة الوصول إلى أقاربه عن طريقه.

عند هذه النقطة، يضغط على فخذه، ويغمض عينيه، كأن الألم ما زال حاضرًا، ثم يتابع: “غرز المحقق المقدح في عظمي وثقبه، ما اضطرني للخضوع لعملية زراعة بلاتين. أما يدي التي كسرها أثناء التحقيق فكانت بحاجة إلى بلاتين أيضًا، لكنهم اكتفوا بتجبيرها، وأعادوني للتحقيق من جديد”. 

يبدأ يصمت محمد لبرهة، ويحدّق في فراغٍ ممتلئ بذكريات ثقيلة، يودّ المرء لو يقتلعها كما يُقتلع ورمٌ سرطاني، ثم بسرد ما تجرّعه من إذلال: “وأنا معلّق بالشبح، بين السماء والأرض مدة 13 يومًا كنت إذا أردت التبول، يُجبرني الجندي على التبول في كأس، ثم يسكبها على رأسي”.

يخفض صوته قليلًا، كأن الذكرى تضغط على صدره، ويكمل: “كانوا يربطوننا من رقابنا، مكلبشي الأيدي، ثم يضعون لنا الطعام ويجبروننا على أكله ونحن جاثون على ركبنا، مثل الكلاب تمامًا”.

”صرخ الضابط: أوقفوا القمع، الكحلوت مات.. ووُضِعت بعدها في كيس أسود”

في أحد أشد أيام الأسر، انقضّت وحدة القمع على المعتقلين، كوحشٍ فاغرٍ فاه، متعطشٍ للدماء.

ضربوا الجميع ضربًا عشوائيًا، دون تمييز بين شاب وكبير في السن.

كان الصراخ يملأ المكان، أجساد تتلوّى، وأنين يختلط بالعجز، تحت أيدي جلادين يتغذّون على التعذيب.

يستعيد محمد تلك اللحظات التي تحبس الأنفاس: “ضربوني على مؤخرة رأسي، وسقطت مغشيًا عليّ في حضن أسير بجانبي. صرخ الضابط: أوقفوا القمع، الكحلوت مات”.

وُضع بعدها في كيس أسود، واعتقد الجميع أنه استُشهد.

هكذا وصل الخبر إلى عائلته، بينما كان هو على قيد الحياة، يتلقى العلاج في مشفى سوروكا، حيث استيقظ بعد 12 يومًا من الحادثة.

وفي تفصيل لاحق، يوضح أن الأسير الذي سقط بين يديه أثناء القمع أُفرج عنه لاحقًا، وعاد إلى غزة، فأخبر عائلته بما جرى، بينما كان محمد لا يزال في المستشفى.

في لحظةٍ يقول إنها الأشد فتكًا بقلبه وبقلوب الأسرى، يتوقف محمد طويلًا قبل أن يتحدث عمّا شاهده وتعرّض له داخل معتقل سديه تيمان، حين بلغ الإذلال أقصى درجاته.

لم يكن ما يرويه حادثًا فرديًا، بل جزءًا مما يصفه بمحاولة ممنهجة لكسرهم نفسيًا.

“قام الجنود بتعريتي ووضعوا فوقي كلبًا، وبجانبي أربعة شباب قاموا باغتصابهم. كانت نيتهم يكسروا عيوننا ويخجلونا”.

يتذكر سؤالًا وجّهه لأحد الضباط، خرج من قلب القهر: لماذا تفعلون بنا هذا؟ لماذا تريد أن تكسر عيني؟ ماذا فعلنا لكم؟

كان الجواب، كما ينقل، صادمًا في بساطته ووحشيته: “إنتو دخلتو علينا 7 أكتوبر”.

الرقم 909 : هوية قهر فرضها الجلاد

في 15 حزيران/يونيو 2024، نُقل محمد إلى سجن عوفر.

هناك، لم تتحسن الأحوال، بل ازدادت قسوة.

لم يكن عوفر مجرد معتقل، بل “الجحيم”؛ هكذا كان الأسرى يرونَه، حرفيًا.

في صباحٍ يصفه بأنه “طافح بالمرار”، وفي تمام الساعة السابعة، لم يطرق السجّان باب الغرفة رقم (4) في ما كان يُعرف بـ”قسم الجحيم”، بل زلزل المكان بصراخٍ يأمر الجميع بالانبطاح.

عشر غرف تحولت في لحظة إلى أجساد ملقاة على البطون، وجباه تلتصق بالأرض، وأيدٍ فوق الرؤوس في إذلالٍ متعمّد. وسط ضجيج القيود الحديدية، دوّى الرقم: 909 – محمد نافذ الكحلوت.

زار الخوف ملامحه وكأنه ولج داخل ظُلمة تلك اللحظة، وقال:" تحركتُ والأرض تميد بي. هل هو تحقيق جديد؟ هل سأعود إلى سديه تيمان؟ قدماي ترتجفان، لا خوفًا من الموت، بل من المجهول خلف ذلك الباب، أخرِجوا يداي من فتحة الباب لتُكبَّلا ببرودة الحديد، ثم سحبوني بعنف، وعصبوا عينَيّ ليغرق العالم في سوادٍ دامس".

أُلقِي به في ساحة محاطة بالأسلاك، حيث الحصى المدبب يغرس في الركب والجباه، وأُجبر على “وضعية السجود” القسرية. 

من السابعة والنصف صباحًا حتى منتصف الظهر، بقي ممنوعًا من الحركة أو الأنين، ورأسه يلامس الحصى المحترق بحرارة الشمس، في صلاة قهرٍ فرضها الجلاد.

أما عن تفاصيل الاستراحة من التعذيب يروي: "مع كثافة التعذيب وطول مدته، كانوا ينقلوننا إلى جلسات مع المخابرات للتفاوض معنا، حيث تُعرض علينا صفقات: العمل معهم، التخابر، وتقديم معلومات. كان الرفض شبه جماعي؛ لكن ثمنه هو الضرب المبرح في الباص، أثناء إعادتنا إلى المعتقل”.

انتهت عذاباته يوم أُفرج عنه وعاد إلى حضن عائلته بعد 19 شهرًا، غير أن الفرحة لم تكتمل؛ فالموت كان قد قال كلمته الأخيرة، واختطف روح أمه قبل أيام من الإفراج عنه، في 2 تشرين الأول/أكتوبر، ليُحرم محمد حتى من قبلة الوداع الأخيرة.

خرج محمد الكحلوت من السجن بجسدٍ مثقل بالإصابات، وذاكرةٍ لا تعرف النوم من هول ما رأت.

لم يخرج شاهدًا على ما تعرّض له فحسب، بل شاهدًا على آلاف القصص التي ما زالت حبيسة خلف جدرانٍ سرية، تنتظر من ينقلها إلى الضوء، كاشفًا ذاك الجحيم الذي لا يشبه إلا الموت… وإن تأخر.