يحلمون بلقاء أحبتهم

قصص مروية: العالقون.. معاناتهم مختلفة وأمنياتهم لم تتخطَّ أسوار غزة المنكوبة

نشرت في 02 يوليو 2026 01:00 م

يحلمون بلقاء أحبتهم

غزة - مارلين أبو عون - وكالة خبر

https://khbrpress.ps/post/432136

مرت ثلاثة أعوام على الإغلاق المطبق على غزة، فلا مسافرين ولا قادمين إليها. غير أن الاحتلال، في الفترة الأخيرة، وبعد أن دخلت الهدنة حيز التنفيذ، سمح لبعض العشرات من الفلسطينيين المرضى بمغادرة القطاع عبر معبر رفح البري، وعلى الجانب الآخر سمح أيضًا للعشرات بدخول القطاع، ولكن العدد المذكور لا يُسمن ولا يُغني من جوع، فكيف لمئات الآلاف من المرضى والعالقين أن تأتي فرصتهم للسفر في ظل هذا العدد المسموح به فقط؟

مأساة جديدة تُضاف إلى مآسي غزة النازفة، عائلات تفككت، وغيابٌ طال انتظاره، علَّ الأمور تذهب بالاتجاه الصحيح ويُفتح معبر رفح، المنفذ البري الوحيد المطل على الشقيقة مصر.

مئات المناشدات تصدح هنا وهناك، ومئات المواطنين العرب الذين جاءوا إلى غزة قبل الحرب وأُغلقت في وجوههم المعابر ولم يتمكنوا من الخروج، ومثلهم فلسطينيون مقيمون في الخارج مرتبطون بأعمالهم، وفلسطينيون متزوجون من عرب وأجانب، لم تتمكن سفاراتهم من إيجاد حلول لهم وإنهاء معاناتهم. جميعهم لا عين رأت ولا أذن سمعت، إلا من رحم ربي، وربما لعب الحظ دورًا كبيرًا في خروج عدد من العالقين، ربما بدفع آلاف الدولارات، أو لوجود واسطة قوية، أو لكونه تابعًا لتنظيم ما، فيغادر القطاع دون عودة.

في هذا التقرير جمعنا بعضًا من قصص العالقين والعالقات الذين أطبقت أسوار غزة على أنفاسهم، وحرمتهم من لمة العائلة، وحضن الآباء، وفرحة العمر.

سعدية سويلم، وهي فلسطينية من مشروع بيت لاهيا شمال القطاع، تزوجت من مصري، ورُزقت منه بطفل، وكانت حاملًا بآخر حين جاءت إلى غزة قبل اندلاع الحرب بـ٦ أشهر، لترى أهلها وإخوتها. فرحت معهم وبهم، وشاء القدر أن تلد طفلها الثاني في غزة، فتجهزت بعدها لتعود إلى زوجها الذي اشتاق إليها وإلى أولاده، لكن الحرب وضعت أوزارها، وأُغلقت المعابر، ولم تتمكن سعدية من الخروج.

تحدثنا عن معاناتها، فتقول: “قدمت إلى غزة يوم السادس من فبراير لعام 2023، والآن أنا عالقة في غزة منذ أكثر من ثلاث سنوات، أعدها باليوم والساعة والدقيقة، وقد حاولت عدة مرات أن أعود إلى مصر، لكن محاولاتي باءت بالفشل”.

وحين سألناها عن المرحلة التي سبقت إغلاق المعبر في بداية الحرب، ولماذا لم تغادر القطاع، أجابت: "توجهت إلى المعبر عدة مرات، وكنت وقتها نازحة في رفح، لكن الأمن أعادني مرة أخرى إلى غزة، ورفض أن نخرج منها، ولا أدري لماذا، فعدت إلى رفح مكسورة الخاطر". 

 

 

تتابع حديثها لمراسلة خبر: “كان زوجي على الضفة الأخرى من المعبر ينتظرنا، كلما أخبرته أنني متجهة، يقطع مسافات طويلة من طنطا إلى المعبر. أذكر أنه وصل به الحال أن ينام أسبوعًا كاملًا على المعبر، وهو يطالب بأولاده حملة الجنسيات المصرية، ولكن الأمن المصري كان يرفض. وقتها كان ابني طفلًا رضيعًا لا يتجاوز عمره ثلاثة أشهر، وابني الثاني خمس سنوات. هما اليوم كبرا، وانقضى من أعمارهما ثلاث سنوات دون أن يشعرا بالأمن والأمان، ودون أن يكونا في حضن والدهما، وكأن القدر يضعهما في نفس الخانة معي، كوني فلسطينية تعودت على الحروب والقصف والدمار”.

وتروي لنا سعدية أهم اللحظات التي مرت عليها وعلى أطفالها في خضم الحرب الدائرة، فتقول: “حياتنا كانت عبارة عن خوف ورعب، الخيمة التي تؤويني أنا وأطفالي غير قابلة للسكن، ليس لي مصدر رزق، أعيش على المعونات، ونظرًا لفقر حال زوجي (يعمل سائق أجرة في طنطا)، وعدم مقدرته على تحمل مصاريفنا في غزة نتيجة فرق العملات أيضًا، وغلاء الشيكل بالنسبة للجنيه المصري، فاقم من المعاناة. أطفالي يخافون من صوت القصف، لا ينامون الليل وهم يسمعون صوت الرصاص والقصف في المكان، يبكون طوال الليل، ويطلبون مني أن يتحدثوا مع والدهم لكي يأتي لأخذهم من هذا المكان المرعب، على حد وصفهم، وأنا لا أملك سوى تهدئتهم واحتضانهم”.

وتضيف: “أنا لا أريد شيئًا سوى السماح لي بالخروج من غزة ولقاء زوجي بي وبأطفالي، لذلك أناشد كل ضمير حي يرى معاناتي ومعاناة أطفالي أن يساعدني، لا أريد أن أفقد أطفالي هنا، يكفي ما رأيته وما عاشوه، نحن نبحث عن الحياة لا عن الدمار”.

ابني لا يعرف والده

قصة أخرى لعالقة فلسطينية قدمت من الإمارات لرؤية أهلها مثل سعدية، لا تختلف في الشكل ولا المضمون. تحدثنا زينب عن معاناتها، فتقول: "جئت لزيارة أهلي في خان يونس قبل الحرب بستة أشهر، وكان معي طفل لا يتعدى عمره العامين والنصف فقط. فرحت بمقابلة أهلي والاطمئنان عليهم، وفي الأسبوع الذي اندلعت به الحرب كنت أتحضر للعودة لزوجي، لكن الحرب كانت أسرع من مغادرتي، وعلقت هنا أنتظر الفرج."

تتابع زينب: "أحمل الإقامة والهوية الإماراتية، لكنها الآن انتهت صلاحيتها نظرًا لعدم وجودي في البلاد لمدة ثلاث سنوات. حاول زوجي أن يطرق جميع الأبواب، مثل السفارة الفلسطينية، والخارجية، ونادي الصداقة الإماراتي، لكي يساعدوا بخروجي وخروج طفله، لكنها كانت موصدة في وجهه. لم يستطيعوا إجلاءنا وخروجنا من هذه المقتلة، إنني خائفة على ابني كثيرًا."

وعن علاقة طفلها بوالده، تقول: "ابني لا يعرف والده كثيرًا، بالكاد يعرفه من خلال الكاميرا حين يتحدث معه عبر الإنترنت."

خرج من غزة وعائلته بقيت في مدرسة للنازحين

قصة مختلفة هذه المرة، لرجل يعاني الأمرين، تارة لإصابته في جسده، ومرة أخرى من معاناة أسرته التي نزحت إلى إحدى مدارس المغازي بعد أن قُصف منزلها وفقدوا المكان الآمن، فلخص لنا الحكاية.

يقول خضر محسن: "أنا مصاب من بداية الحرب، كان حظي أفضل من غيري، فقد وفقت بالخروج للعلاج إلى مصر في الثامن من شهر ديسمبر لعام 2023. أسرتي نازحة داخل مدرسة بمخيم المغازي، وابني الذي يعاني من العظم الزجاجي حصل على تحويلة علاج لمستشفى المقاصد في القدس قبل الحرب من منظمة الصحة العالمية، وظلت على قائمة الانتظار لمدة عامين، ليتم بعدها رفض تحويله من قبل وزارة الصحة بغزة. ومع الحرب أُغلقت جميع المعابر، وظل ابني حبيس مرضه وحبيس الظروف الصعبة التي فاقمت معاناته."

وتساءل خضر عن السبب الذي يجعل وزارة الصحة تلغي تحويلة طفلي المصاب، والذي ما زال يعاني؟

وناشد خضر جميع المؤسسات الحقوقية والإنسانية بضرورة التحرك لإجلاء أسرته ومساعدة طفله في تلقي العلاج، لكي لا يكون رقمًا من طابور طويل من أطفال فقدوا حياتهم نتيجة إغلاق المعابر.

فقدت ابنتي وحرمت من رؤية ابني

أما هبة، التي فقدت طفلتها وحرمت من حضن طفلها، فربما تكون معاناتها مضاعفة على قلب أم هي الأب والأم لطفلتها المتبقية من هذه المقتلة.

تحدثنا هبة أم بكر عن قصتها، فتقول: "سافر زوجي بداية الحرب في شهر مايو عام 2024، واصطحب ابني بكر معه، كان وقتها يبلغ من العمر ثلاث سنوات. حينما خرج زوجي بتنسيق مسبق، كانت الأخبار تشير إلى أن هناك هدنة مرتقبة، فطلبت من زوجي أن يسافر، وبعدها سألحق به، وبقيت أنا وابنتاي الصغيرتان. لم أكن أعلم أن الجيش سيدخل المعبر ويغلقه بعد خروج زوجي وابني بستة أيام فقط."

تتابع حديثها مع وكالة خبر: "بقيت محجوزة مع طفلتيَّ طيلة أيام الحرب اللعينة، ما لم أكن أحسبه أن أعاني وأنزح عدة مرات لأماكن مختلفة، وأعاني ما أعانيه من الخوف والجوع. فحين دخل الاحتلال إلى رفح نزحت إلى دير البلح، وحين دخلت الهدنة حيز التنفيذ عدت إلى مدينة بيت لاهيا، المدينة التي ولدت وعشت فيها طيلة حياتي، لتعود الحرب مرة أخرى ويجبرونا على ترك المدينة، وأنزح مرة أخرى إلى مدينة غزة في مبنى الجامعة الإسلامية."

خسرت ابنتي

تتابع حديثها: "في مثل هذا اليوم من العام الماضي، من أيام المجاعة اللعينة، ذهبت ابنتي لتأتي لنا بالطحين من عمتها، وهي في طريقها استهدف الطيران الحربي صحفيًا بالقرب من ميناء الصيادين، فاستشهد اثنا عشر مواطنًا ما بين نساء وأطفال ورجال، وكانت ابنتي من ضمن الشهداء. أنا الآن فقدت بنتي، بكري وأول فرحتي ومهجة قلبي، وغياب ابني الذي أصبح عمره الآن ست سنوات زاد من معاناتي ووجعي. أريد أن أذهب لزوجي وابني، لقد اشتقت إليه كثيرًا، لا أريد أن أفقد ابنتي الأخرى، يكفينا وجع، افتحوا المعابر."

وتبقى معاناة آلاف العالقين متواصلة في ظل غياب العدالة في إخراجهم للعلاج أو للقاء ذويهم خارج غزة، فيتفاجأ المواطنون بآخرين قد غادروا غزة، وهم ليسوا بالمرضى أو مصابي حرب، وليس لهم عائلات خارج القطاع، فيتساءلون: كيف خرجوا؟! ومن ساعدهم بذلك؟! مطالبين بالنزاهة والشفافية بالعمل داخل معبر رفح، وإتاحة الفرصة للعالقين بلقاء أهلهم، مطالبين وزارة الخارجية الفلسطينية وسفارات البلدان التي يحملون جنسياتها المختلفة بضرورة الإسراع بإخراجهم قبل أن تتفكك أسرهم.

2-7

1-6