الكاتب: أكرم عطا الله

عـن «فـتـح» ومـؤتـمـرهـا ..!

نشرت في 03 مايو 2026 10:10 ص

الكاتب: أكرم عطا الله

وكالة خبر

https://khbrpress.ps/post/429837



 

من يتابع تحضيرات حركة فتح لعقد مؤتمرها الثامن يمكن ببساطة أن يشعر بأن الحركة الفلسطينية لا تدرك قوة الدفع الكامنة في أمواج التسونامي الهائل الذي ضرب يابسة القضية الفلسطينية، وفي طريقه ليجرف كل الطبقة السياسية القائمة التي كانت شاهداً على النكبة الجديدة بأحزابها وقواها القديمة وطويت صفحة في تاريخ الفلسطينيين لتؤرخ ما قبل وما بعد، فإعدادات المؤتمر لا تناقش سياسات ولا فكراً ولا برامج كالتي اعتاد أبو عمار أن يشعل ورشاتها بين مفكري وساسة الحركة.
فقد غاب كل هذا ليبدو المؤتمر كأنه إعادة توزيع النخبة السياسية للحركة فيتم تفريخ مجموعات على وسائل التواصل الاجتماعي تحشيداً وتأييداً .
يضع الفلسطينيون كثيراً من الأمل على حركة فتح باعتبارها القوة غير المغامرة والأكثر واقعية وحرصاً، وقد ترسخ ذلك بعد تجربة غزة الفادحة والسياسات العشوائية التي أدت لتدميرها، والفرق الأشد وضوحاً بين المدرستين اللتين تصارعتا لعقود في برامجهما لينتهي مشروع التيار الإسلامي بكل تلك الخسارات.
لكن يبدو أن الحركة التي لم تدرك كيف عليها أن تواجه هذه اللحظة ستخيب آمال الكثير من الفلسطينيين، ويبدو أن فتح لم تقرأ التاريخ لتلائم نفسها مع مستجدات الكارثة وأمواج التسونامي العاتية التي ستجرف الجميع.
فرادة الوضع الفلسطيني وأزمة الاقتصاد وانحسار الدخل وسيطرة إسرائيل على وسائل الإنتاج ومحدودية الفرص في واقع يرزح تحت الاحتلال جعل من العمل السياسي في الواقع الفلسطيني مصدراً مهماً للدخل العالي ومستوى الحياة لدى المشتغلين في الحقل السياسي، وخصوصاً في مراكزه الأولى وقادة الفصائل حتى قبل نشأة السلطة، وهذا جعل من الصراع على الفرص القائمة يأخذ طابع المزاحمة الشديدة في مؤتمرات حركة فتح التي تمكنت منذ نشأة الثورة من احتكار إمكانيات العمل السياسي.  
وفي غياب النقاش السياسي لا يصبح مؤتمر فتح ورشة صراع سياسات وأفكار كما ينبغي أن يكون بقدر ما يصبح صراعات مواقع، وإذا كانت هذه مسألة عادية في مرحلة تاريخية اعتقدت فيها الحركة أنها ألقت بالبندقية وتحولت لحزب يقوم بمهمة إدارة البلاد في لحظة ما، فإنها الآن أمام لحظة حقيقة حاولت تجاهلها طويلاً وهي أزمة إسدال الستار على المشروع الذي قادته الحركة بالتسوية والمفاوضات والذي انتهى منذ سنوات دون أن تتوقف أمام ذلك، وهو ما تركها في وضع لا يتلاءم مع حركات التحرر ودورها مع شعب تحت الاحتلال وتلك مكانة كانت مقبولة أثناء المفاوضات وفي الطريق لحلم الدولة ولكن بعد ذلك كان على الحركة أن تبحث فكرياً في حالة الفراغ السياسي الذي نشأ بعد نهاية البندقية ونهاية التسوية كبرنامج للحركة بعد الانعطافة في المسار نحو الحل السياسي.
وبدل أن تستغل فتح اللحظة التي ينهار فيها كل شيء بعد انكشاف مشروع حماس ومعها باقي القوى في غزة وبراءة حركة فتح من المغامرة، وبدل أن تستغل الأمر لتشكل من جديد حاضنة أبوية وحالة رعوية فلسطينية بتوسيع مساحات الحركة لتتسع لمن هم خارج فتح فإنها تضيق أكثر فأكثر حتى أمام أبناء فتح، لنجد كفاءات سياسية وإعلامية في تاريخ الحركة لا تنجح في مؤتمراتها الأخيرة، فالمعايير لم تعد كتلك التي سادت في أزمان مضت وإن تطلبت اللحظة أن يكون هذا المؤتمر مختلفاً لكنه يبدو أنه يشبه سابقيه كأن مياهاً كثيرة لم تجرِ في نهر السياسة الفلسطينية وتجرف معها كل شيء وعلى الجميع أن يتحسس رأسه.
لا يملك الفلسطينيون ترف الخيارات، وبينما تنشغل إسرائيل والولايات المتحدة بفكرة تنفيذ مشروع لجنة إدارية للضفة بديلاً عن السلطة السياسية التي تديرها حركة فتح بعد تطبيق النموذج بغزة، تستعد فتح لمؤتمرها بمقدمات لا تعكس حداً أدنى من مستوى الشعور بالخطر لتنحصر التحضيرات في سياق إعادة توزيع الطبقة القيادية التي تنشغل المجموعات بالتحشيد لها في مؤتمر تعقده في أكثر اللحظات سواداً في تاريخ القضية الفلسطينية.
ويبدو من خلال المزاج العام أن إعادة التوزيع لا تتم وفقاً لمعايير إدارية أو سياسية وفي هذا ما يثير الإحباط لرأي عام يجد في حركة فتح آخر ما تبقى من أعمدة البيت بعد الانهيارات الكبرى، وإذ بها تدير مؤتمراً في لحظة شديدة الحساسية بهذه المعايير وتلك معضلة.
كالعادة تحظى مؤتمرات فتح باهتمام يختلف عن مؤتمرات الفصائل فهي لأسباب كثيرة وهذا المؤتمر يحظى بنفس الاهتمام، لكن اللحظة التي ينعقد فيها شديدة الالتباس فكل شيء على وشك الضياع، وهنا سيحدد مؤتمر فتح هل سيكتب شهادة ولادتها من جديد من رماد الراهن أم سيكرس عجزها وفقاً للنكبة الراهنة وحركة التاريخ ومنطق الإزاحة الطبيعي بعد الأحداث الكبرى.