نشرت في 01 سبتمبر 2026 10:14 ص
https://khbrpress.ps/post/434671
اضطرت إسرائيل إلى تغيير وجهتها الاستراتيجية منذ عصر ما بعد الحرب الباردة، ذلك أنه بالنظر إلى أنها خرجت إلى العالم، مع تدشين نظام الحرب الباردة، الذي كانت تعد فيه مخلبا لأحد قطبيه، وهو القطب الإمبريالي، المناهض للمعسكر الاشتراكي، لذلك كان جوهر وطبيعة «دولة إسرائيل» غربيا ليبراليا أو حتى ديمقراطيا رأسماليا، والاهم من ذلك أنها كانت محمية بالمعسكر الغربي، الذي أوجدها لمواجهة المعسكر المناهض له، خاصة أنه كان يتقدم عليه، فيما سمي العالم الثالث، من خلال حركات التحرر التي كانت متحالفة معه، وكانت تتقدم من خلال تحرير المستعمرات، أو من خلال إسقاط أنظمة الحكم التي كانت توسم بكونها رجعية، أي ملكية متحالفة مع الغرب الاستعماري، فيما كانت الشعوب، تتقدم على طريق الحرية والاشتراكية، ولم تكن المنطقة العربية، ولا حتى الشرق الأوسط عموما، إلا واحدة من مناطق العالم الثالث التي شهدت تلك الحالة، في خمسينيات وستينيات القرن العشرين الماضي.
باختصار، كانت استراتيجية إسرائيل السياسية والعسكرية مبنية على أساس التوافق مع النظام العالمي، تؤدي دورها الذي وجدت من أجله، وقد حدث هذا في حرب العام 1956، ومن ثم حربي العام 67، و73، وبذلك كانت تطمئن إلى كونها محمية عسكريا وسياسيا من قبل المعسكر الغربي، مقابل ما تقدمه له من خدمه إقليمية، ملخصها محاربة حركات وأنظمة التحرر العربية، فضلا بالطبع عن قمع الشعب الفلسطيني، وكبح جماحه نحو تقرير المصير، وفي هذا السياق، ارتكزت الاستراتيجية العسكرية الإسرائيلية على أساس التفوق العسكري بالعتاد ونوع السلاح، لأن عدوها يتفوق عليها في العدد (عدد السكان، وعدد أفراد الجيوش والقوات المسلحة) كذلك يتفوق عليها كثيرا جغرافيا، وذلك لأن إسرائيل لم ترَ يوما أن عدوها هو الشعب الفلسطيني فقط، وقد جربت إسرائيل هذا في كل حروبها خلال عصر الحرب الباردة، أي منذ العام 1948 وحتى العام 1994، وذلك خلال حروب 48، 56، 67، 73، 82، 87، وصولا إلى اتفاق أوسلو 94، حيث انتصرت في معظم حروبها، رغم أنها واجهت جيوشا عربية تتفوق عليها في العدد والجغرافيا، لكن إسرائيل كانت تنتصر بالتفوق في السلاح والعتاد.
ومبكرا، قام الغرب بتوفير حماية وجودية لإسرائيل تمثلت في السلاح النووي، الذي ما زالت تمتلكه منذ منتصف ستينيات القرن الماضي وحتى الآن وبما يزيد على سبعين رأسا نووية، كما تشير بذلك التقديرات، لأن السلاح النووي الإسرائيلي هو الوحيد من بين 9 أسلحة نووية تمتلكها تسع دول في العالم، مخفي عن عيون الوكالة الدولية للطاقة الذرية التي تتبع الأمم المتحدة وتسعى إلى تشجيع الاستخدام السلمي للطاقة الذرية والحد من انتشار السلاح النووي، والتي هي مؤسسة منذ العام 1957 أي قبل امتلاك إسرائيل للسلاح النووي، الذي ساعدتها فرنسا في امتلاكه.
ثم حرص الغرب على ضمان تفوق إسرائيل العسكري النوعي، خاصة في سلاح الجو، وهو سلاح حاسم في الحروب وقد تجلى دوره الحاسم هذا في حرب إسرائيل مع 3 دول عربية مجتمعة، انتصرت عليها العام 67، بعد أن بدأت الحرب بتدمير المطارات العسكرية العربية، واستطاعت بذلك احتلال كل من سيناء والضفة الغربية وقطاع غزة والجولان، أي ما يقارب من 70 ألف كم2، أو ما يعادل ثلاثة أضعاف ونصف مساحة إسرائيل في ذلك الوقت، أي في العام 1967.
والحقيقة أن إسرائيل في ظل الحرب الباردة حتى وهي تحتل الأرض العربية، كانت تضطر للانسحاب كما حدث العام 56، وذلك وفق سياسة مقايضة الأرض المحتلة بمعاهدات السلام، ضمن شعار «الأرض مقابل السلام» لأن حروبها نفسها كانت تجري في سياق الحرب الباردة، ولأن عقد معاهدات السلام، كان يتطلب تغييرا في طبيعة النظام العربي، بقلبه من نظام حكم تحرري مناهض للغرب وحليف للشرق، إلى نظام رأسمالي حليف للغرب، ولعل النموذج الواضح في هذا السياق كان النظام المصري ما بين جمال عبد الناصر وأنور السادات، وكانت الورقة هي سيناء، التي احتلت العام 67 في عهد عبد الناصر، وأعيدت لمصر في عهد أنور السادات بعد اتفاقية كامب ديفيد، التي لم يكن ثمنها تطبيع العلاقات بين مصر وإسرائيل وحسب، بل نقل مصر من موقع الاصطفاف مع السوفييت إلى موقع الحليف الأميركي.
شيئا فشيئا ومنذ انهيار جدار برلين، يمكن القول، إن الاستراتيجية العسكرية والسياسية الإسرائيلية بدأت في التحول والانتقال، من موقع البيدق الغربي، إلى موقع الدولة التي تتطلع إلى بناء مستقبلها بنفسها، وبالاعتماد على ذاتها، ذلك انه لم تعد هناك دول تحرر يحتاج الغرب إلى «مخلب قط» في المنطقة لإسقاطها، وصد التقدم الشرقي الذي كان ينجح باستمرار في إسقاط الأنظمة المتحالفة مع الغرب ويقيم الأنظمة الحليفة له، وفي ظل تغيير وسائل وأدوات الحرب، من الشكل التقليدي إلى أشكال حديثة أخرى، خاصة بعد تجارب حركات التحرر المنتصرة، عبر حرب العصابات وما سمي حرب التحرير الشعبية، لكن إسرائيل احتاجت إلى تحول داخلي، حتى تكون جاهزة للانتقال من موقع الدولة التي تؤدي الوظيفة للغرب، إلى الدولة بحد ذاتها، التي عليها أن تعيش في عالم الشرق الذي لا تنتسب إليه، ذلك أنها أقيمت بمواصفات الغرب، حتى أنها لم تجد لها مكانا في الشرق، ولا حتى مكانا في الاتحاد الآسيوي للألعاب الرياضية المختلفة، لذلك هي عضو في الاتحادات الأوروبية، رغم أنها تنتمي جغرافيا للشرق الآسيوي.
كانت المحطة الفاصلة هي مؤتمر مدريد واتفاق أوسلو، اللذان وقعا في السنوات الأولى لعصر ما بعد الحرب الباردة، في عامي (1992 ــ 1994)، والغريب انهما شكلا فرصة لإسرائيل التي كانت تبحث عن صفقة «الأرض مقابل السلام»، لكنها فوتتها ولم تقبل بها، بل وتعارضت مع حليفها وولي نعمتها الغرب ممثلا بزعيمة الغرب أولا ومن ثم زعيمة العالم، الولايات المتحدة، حين اجبر جورج بوش الأب اسحق شامير على المشاركة في أوسلو، مع تقديم التنازل له بعدم مشاركة وفد فلسطيني مستقل، لأن إسرائيل كانت قبل ذلك بأعوام، أي منذ العام 1976، تنتقل بالحكم أولا، ثم بالمجتمع من الطابع الغربي للدولة واداته السياسية ــ اليسار، إلى الطابع الشرقي واداته اليمين الذي اعتمد ــ يا للمفارقة ــ على أصوات المزراحيم، اليهود الشرقيين.
يبدو أن المحطة الفاصلة التي تمثلت بأوسلو بالتحديد، والتي جرت في ظل آخر واهم حكومة يسار أشكنازي إسرائيلية، قد مالت إلى اليمين، الذي عاد ليحكم إسرائيل بشكل متواصل منذ ثلاثة عقود خلت، وجعل من الاستيطان مرتكزه، لتغيير وجهة إسرائيل نحو الشرق، ليواجه بذلك اخطر نقطة ضعف تكبح جماح الطموح الامبراطوري الإسرائيلي في إقامة إسرائيل الكبرى، كدولة إقليمية في الشرق الأوسط في ظل نظام عالمي، ما بعد النظام العالمي الأميركي أحادي القطبية، الذي ورث النظام العالمي الثنائي الذي كان خلال الحرب الباردة.
فدولة إسرائيل الإقليمية، بعد أن واجهت دولا عربية مجاورة: مصر وسورية والعراق، وحيدت مصر بكامب ديفيد التي كان اهم بنودها هو اعادة سيناء للسيادة السياسية المصرية، لكن مع إخراجها الأمني من قوتها العسكرية، بينما ساعدت فيما بعد ذلك في تحطيم العراق وسورية، لتجد في طريقها كلا من ايران أولا وتركيا ثانيا، وهكذا بعد أن تحولت العراق وسورية، والأردن قبل ذلك إلى جغرافيا هشة، اصطدمت إسرائيل بإيران وتركيا ومصر ككتل كابحة لطموحها الإقليمي، وهذه الدول ومعها السعودية تتفوق عليها كثيرا جدا بالجغرافيا، وإسرائيل مع فلسطين والجولان والمناطق الأمنية السورية واللبنانية وحتى سيناء كمنطقة أمنية فاصلة مع مصر، بالكاد تقترب من مساحة الأردن، بينما مصر مساحتها نحو ثلاثين ضعف مساحة إسرائيل، وإيران مساحتها اكثر من خمسين ضعف مساحة إسرائيل، فيما مساحة تركيا اكثر من 25 ضعف مساحة إسرائيل ومساحة السعودية تقارب مئة ضعف مساحة إسرائيل!
إذاً، إسرائيل في مواجهة هذه الدول تبدو ضعيفة للغاية، ومحاولتها إقامة إسرائيل الكبرى المسيطرة على الشرق الأوسط، تتطلب تحقيق الانتصار العسكري عليها كلها، فرادى ومجتمعة، لذلك فإن إسرائيل تعتبر، اليوم، وهي بهذه التركيبة اليمينية التي تجتمع على برنامج إسرائيل الكبرى، بأن كل ارض فلسطين التاريخية أو الانتدابية هي ارض إسرائيل، لذلك فإن تهجير الشعب الفلسطيني وضم ارض دولة فلسطين هما بندان أساسيان في ذلك البرنامج، ثم وصف إسرائيل اللاهوتي فضفاض، وهو مختلف عن وصف إسرائيل السياسي الذي تعرفه الأمم المتحدة، لذلك هو مفتوح على ضم أي أراضٍ أخرى في الجوار: الأردن، سورية، لبنان، مصر، العراق والسعودية، ثم يعتمد على ما ابتدعته إسرائيل من مصطلح المناطق الأمنية، والتي تعني إفراغ ارض الآخرين، وليس على الجانبين من القوة العسكرية، بل والسماح للقوة العسكرية الإسرائيلية بالتحرك فيها!