نشرت في 01 سبتمبر 2026 10:30 ص
https://khbrpress.ps/post/434674
فوجئ مستهلكو الأخبار في العالم العربي بما تطاير من كلام وصور عن مأدبة نظّمها رجل أعمال من لبنان، يدعى أنطون صحناوي، لبنيامين نتنياهو خلال زيارة الأخير لواشنطن في تموز الماضي. وكما مثّلنا للرأسمالية المتأخرة في معالجة سبقت بمحاولة الاستيلاء على جزيرة ألبانية، فإن «مأدبة العشاء» تصلح وسيلة إيضاح إضافية.
ينطوي الحدث على دلالات لا ينبغي تجاهلها. ففي مجرد نجاح شخص ما في تنظيم دعوة كهذه، في العاصمة الأميركية واشنطن، لشخصية من وزن نتنياهو (وهو ثقيل جداً في نظر النخبة الأميركية) وحشد ما تستدعي المناسبة من شخصيات معروفة في عالمي السياسة والبزنس، ما يدل على مكانته العالية في العالمين، أي البزنس والمال.
لأمر كهذا أهمية استثنائية، بالتأكيد، إذا وضعنا في الاعتبار أن منظّم الدعوة «أجنبي» ليس من النخبة الأميركية السائدة. لذا، في الإشهار، أي تحويل الدعوة إلى مادة للتداول في وسائل الإعلام، ما يضفي على أهمية ومكانة صاحبها العالية قيمة تسويقية أيضاً، ويفتح له أبواباً تستعصي على أمثاله في الأحوال العادية. وبهذا المعنى، لا تؤدي الدعوة وظيفة إعلانية وحسب، بل تُسهم في تعزيز العلاقة التفاعلية بين البزنس والسياسة، أيضاً. ولا ننسى تكريس تعددية الظاهرة الترامبية بوصفها خلاصة وتمثيلاً لمكونات عابرة للحدود والقوميات.
وبناء عليه، يمكن «تجليس» ما تكلمنا عنه، حتى الآن، في عدد من الحقائق «الصلبة». فصحناوي هذا عضو بارز في جماعة أصحاب المصارف اللبنانيين، التي يحقق القضاء اللبناني في مسؤولية كبارها عن كارثة اقتصادية حلت بلبنان، وهي أسوأ أزمات الانهيار المالي في العالم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. نهب هؤلاء قرابة 80 مليار دولار من أموال المودعين، ناهيك عن عشرات المليارات من المال العام.
يمكن للمهتمين العثور على تفاصيل كثيرة، في الصحافة اللبنانية، عن صحناوي وسيرته العائلية والشخصية، وأنشطته المالية والسياسية. ويمكن الاعتماد في هذا الشأن على تحليلات وتحقيقات تمتاز بمهنية عالية نشرها، ضمن آخرين، موقع درج اللبناني.
على أي حال، يكفي القول، إن صحناوي صاحب نفوذ واسع في الوسط السياسي اللبناني، يدين له بعض النواب بالولاء. يموّل فعاليات سياسية واقتصادية وثقافية، وتربطه علاقات قوية بصنّاع القرار في أجهزة الدولة اللبنانية. والأهم من هذا كله هو أوّل رجل أعمال، في العالم العربي، تتوفر لديه قناعات صهيونية قوية، ويشعر بالتزام عميق تجاه إسرائيل.
يمكن القول بطريقة مجازية، ومع تحويرات طفيفة، إن المذكور أحرق كل سفنه، وصار طارق بن زياد الفتوحات الإبراهيمية. وعلى الرغم من إمكانية إدراج هذا الإيحاء في باب المبالغات البلاغية، إلا أن إسهامه الكبير في حملة ترامب الانتخابية، وتمويله وترويجه لمشروعات «ثقافية» كالأفلام والكتب وحتى الأوبرا (موّل أوبرا عن ثيودور هرتسل) يبرر الإيحاء ويمنحه دلالات عملية، لذا:
ثمة ما يبرر تصنيفه كوسيلة إيضاح جيدة للإبراهيمية بوصفها مشروعاً من جناحين: البزنس، بما يعني من بناء قاعدة اقتصادية مشتركة مع إسرائيل، عقارات، وأمن، وخدمات. والشراكة الأيديولوجية، بما تعني من إعادة تفسير لتاريخ الصراع الفلسطيني والعربي ـ الإسرائيلي، و»تجريم» الفلسطينيين، وطرد المسألة الفلسطينية من الفضاء العام كشيء ينتمي إلى «خطاب الكراهية» و»العداء للسامية». الخ.
ونكتفي، هنا، أيضاً، بالكلام عن كتاب بعنوان «مرافعة عربية من أجل إسرائيل» أسهم المذكور، في ترويجه والدعاية له، هو وصاحبته الأميركية المشاركة في «تأليف» الكتاب، مورغان أورتاغوس (مبعوثة سابقة لترامب إلى الشرق الأوسط)، سيكون الكتاب موضوعاً لمعالجة نحلل فيها الرأسمالية المتأخرة بوصفها خطاباً في السياسة، عنوانه الرئيس «المصيبة» التي ألحقها الفلسطينيون بالشرق الأوسط.
كل ما في الأمر أن الكتاب (الذي أشعر بالندم لأنني تصفحته، وبددت عليه وقتاً لا يستحقه) يستعرض سيرة «فكرية» لشخص شارك أورتاغوس في «التأليف» يقول، إنه من أصل عراقي، نشأ في لبنان، ورضع «شيطنة» إسرائيل في حياة أولى، سرعان ما انقلبت رأساً على عقب، بعدما اكتشف «تاريخاً مغايراً» بدأت معه حياة جديدة تفتحت فيها عيناه على حقيقة إسرائيل، وصار من واجبه توثيق الحدث، وعرض المسوّغات التي أوصلته إلى الحقيقة، والتبشير بها (مع ملاحظة أنه يُبشّر بالإنكليزية).
لا قيمة للكتاب، وللمشاركين في «تأليفه» إلا كوسائل إيضاح لأشياء أُخرى. ولا بأس، هنا، من الكلام عن «اكتشاف» الحقيقة كقصة بدئية أولى Archetype لم يكف البشر عن إعادة إنتاجها على مدار قرون طويلة. وقد اختزلتها حادثة شاؤول، الذي أسقطه الضوء على الأرض، في طريقه إلى دمشق، حين ظهر له يسوع سائلاً: لماذا تكرهني؟ تغيّرت حياته، يومها، إلى الأبد، صار اسمه بطرس، اعتنق المسيحية وصار واحداً من أعظم مبشريها.
مهما يكن من أمر، تبقى مسألة أخيرة: قيل الكثير عن الانهيار المالي، وأزمات لبنان المالية المستعصية. ومع ذلك، يبدو أن تحليل الانهيار المالي، وسرقة أموال المودعين، والمال العام، على خلفية الصراع في لبنان، وعليه، بين الإيرانيين من ناحية، والأميركيين والإبراهيميين من ناحية ثانية، لم ينل ما يستحق من اهتمام. ومع كل تاريخ المسألة اللبنانية في البال، لا يبدو من قبيل المجازفة القول، ان لا معنى لكل ما يمكن تصنيفه بالحدث المحلي، في هذا البلد، إلا بوصفه تمثيلاً لحسابات خارجية في حرب طويلة، تدور في البلد وعليه. وتندرج في هذا المعنى، أيضاً، دعوة على العشاء.