نشرت في 12 أبريل 2026 11:13 ص
https://khbrpress.ps/post/428999
ليس تماماً. أيضاً هذا لا يعني بشكل قاطع أنها ستعود مرة أخرى.
المؤكد أن الأطراف المختلفة توصلت لقناعة بوجوب التوقف قليلاً والبحث في بدائل لحل الصراع.
صحيح أن الولايات المتحدة دخلت الحرب من أجل إسرائيل، ومن أجل كبح جماح التطلع الإيراني للحصول على السلاح النووي إلا أنها توجهت للتفاوض مع طهران دون استشارة تل أبيب، وهي قد تتوصل لاتفاق سلام مع طهران بعيداً عن الخطط الإسرائيلية، وبقدر ما تم فهم الحرب على أنها حماية أميركية لإسرائيل وربما توصل المرء لاستنتاج بأن ترامب يعمل وكيلاً لنتنياهو بقدر ما وضعت واشنطن نفسها في موقع المتصرف والمقرر في مصير الحرب.
ترامب لا يبدو دمية بيد نتنياهو، ولا يبدو ساذجاً كما يطيب للكثيرين تصوير الأمر معتمدين على شطحاته ومقاطعه المضحكة والمسلية، خاصة حين يتحدث عن الحرب وعن الدول الأخرى والسياسية العالمية، لا يبدو كذلك تماماً، وربما كل هذا جزء من شخصيته السطحية التي نعرفها، لكنه في المقابل نجح في دفع إسرائيل لوقف حرب كان سقف الأهداف فيها أكبر بكثير من أي شيء آخر نعرفه بعد وقف القصف.
بل إنه وبنفس غوغائيته اعتبر موافقة طهران على وقف إغلاق مضيق هرمز انتصاراً كبيراً.
يصعب توقع تصرفاته؟ نعم بالتأكيد لا أحد يتوقع ماذا سيفعل بعد ساعة، لكنه دائماً قادر على فرض موقفه ورأيه على حلفائه.
حتى اللحظة فإن الجميع انتصر في هذه الحرب، أقصد اللاعبين الثلاثة: الولايات المتحدة وإيران وإسرائيل.
يبدو السؤال عن الطرف العربي في الحرب ساذجاً لذا لا داعي للخوض فيه.
عموماً هذه حرب المنتصرين تماماً كما حدث في غزة، انتصرت حماس وانتصرت إسرائيل وفق مزاعم الطرفين والخاسر كانت غزة، في حالة إيران فطهران لم تضرب رأسها في الجدار كما فعلت حماس، فقد فهمت أنها قد لا تستطيع هزيمة تل أبيب وواشنطن وأنهما قد لا تستطيعان تنفيذ برامجهما بالقضاء على القدرات الصاروخية الإيرانية وقتل الطموح النووي الإيراني والإطاحة بالنظام، إلا أنها تعرف أن الاستمرار بالحرب سيعني تدمير البلاد وهي لا تريد تدمير البلاد ولا تريد أن تمضي السنوات القادمة ببناء الجسور والطرقات والمباني، على العكس تماماً مما حدث عندنا للأسف.
لذا كانت الموافقة على المفاوضات مع واشنطن وسيلة للنزول عن الشجرة.
وحين يدعي كل طرف أنه انتصر فإن الجميع نزل عن الشجرة مقتنعاً بأن الآخرين ما زالوا فوقها.
والحال كذلك فإن ما جرى ليس بأكثر من الدخول في حرب من نوع مختلف لكنها بالضرورة قد لا تقود لنفس الحرب وإن كانت تسعى لنفس الأهداف.
من المبكر الحكم على نتائج مفاوضات إسلام أباد، لكن مثل كل مفاوضات فهي ليست إلا طريقة أخرى لتحقيق نفس الأهداف السابقة.
وفيما قد نشهد حرباً باردة وحرب استنزاف وحرباً استخباراتية فإن طهران ستسعى لجعل هذه المفاوضات حبل نجاة حتى تتحقق المعجزة، وإن كان ثمن ذلك التضحية بحلفائها وتغير جلدها.
عام 1998 وصلت لنيودلهي مساء اليوم الذي قامت فيه الهند بإجراء تجربتها النووية الأولى.
كان الشبان والشابات يرقصون فرحاً في شوارع حي الفيزنت فاهار الفاخر في المدينة حتى الصباح.
حين استيقظت في اليوم التالي كان السائق الذي يرافقنا عابساً وحزيناً.
سألته ما به فقال بحزن: إن الباكستان قامت بتجربتها النووية أيضاً.
يصعب تخيل قبول تل أبيب بترك طهران دون نزع مخالبها ودون الفتك بقوتها النووية المحتملة وبقدراتها الصاروخية التي أربكت كل حسابات الحرب.
فتل أبيب لا تريد أن تصحو ذات صباح على خبر امتلاك طهران للسلاح النووي. تريد أن تتجنب هذا الكابوس. حتى يصعب تصديق أنها قد تقبل أن يكون النظام الإيراني إذا امتلك سلاحاً نووياً صديقاً لها.
في كل الأحوال يجب أن يخلو محيط إسرائيل من أي قدرات نووية مهما كلف الثمن. لذا فإن المفاوضات إن لم تقد إلى لجم وكبح إيران النووية فإن الحرب القادمة على الأبواب.
الآن نعود للسؤال عن الحالة العربية. لعل ما يجري من استمرار الحرب في لبنان نموذج عن حالنا. فحزب الله الذي دخل الحرب دفاعاً عن إيران ضمن محور تقوده طهران وكان تاريخياً جزءاً منه ترك وحيداً.
توقفت الحرب في إيران ولم تتوقف في لبنان. وبعيداً عن البلاغة والخطابة وربما مطالب طهران بوقف الحرب على لبنان، فإن ما يحدث فعلياً أن طهران تركت بيروت وحيدة تقاتل في معركة دخلها الحزب من الأساس للدفاع عن طهران.
توقفت الحرب في طهران ولم تتوقف في بيروت.
لم نسمع طهران تقول إنها لن توقف الحرب بما أنه لم تتوقف في بيروت أو إنها ستوقف الحرب مع أميركا وتواصلها مع تل أبيب حتى توقف الأخيرة عدوانها على بيروت.
بل ما يحدث أن الحرب على لبنان صارت نقطة من نقاط الحوار مع واشنطن.
يمكن توقع ثمن ذلك أن تتم التضحية بحزب الله ضمن موافقة إيران على مقايضة حضورها الإقليمي السابق بحضور إقليمي تخرج فيه من دائرة الأعداء القدامى وتعيد وفقه ترتيب أمورها في الإقليم بما يجعلها إن كانت ليست صديقة فإنها ليست عدواً. من غير المعروف إذا ما كانت طهران ستضحي بحزب الله أم إنها ستتكفل بعقلنته وتدجينه كما سيتم تدجين طهران في حال تم التوصل لاتفاق، غير أن تدجين الحزب سيعني نزع مخالبه حتى تنمو مخالب طهران الجديدة.
هذا وارد بشكل كبير. لكن أيضاً من الوارد أن يفشل كل شيء.
ومع ذلك فإن المحقق أن لبنان لأسبوع الآن يواجه الحرب وحيداً، الحرب التي دخلها دفاعاً عن إيران التي تتنفس الصعداء الآن بعد أسابيع من القصف المتبادل.
السؤال الأخير: هل ستظل الدول العربية ساحات لحروب واشنطن القادمة؟.