لا يملكون رسوم الدراسة أو السفر

تقرير: ما بعد النجاح.. طلاب الثانوية العامة أحلامهم تتحطم على عتبة الواقع المأساوي في غزة

نشرت في 03 أغسطس 2026 12:19 م

لا يملكون رسوم الدراسة أو السفر

مارلين أبو عون - غزة - وكالة خبر

https://khbrpress.ps/post/433449

احتفل طلبة الثانوية العامة في غزة بنجاحهم في الثانوية العامة، بعد أن سجلت معدلاتهم أعلى نسبة قياسًا بالسنوات السابقة، مع تحفظ الكثيرين على مسببات النجاح التي رآها البعض غير منطقية في ظل وجود التكنولوجيا الرقمية والذكاء الاصطناعي، الذي سهل الكثير على بعض الطلبة في تقديمهم امتحانات الثانوية العامة الإلكترونية، في واقع مأساوي بغزة حال دون انعقادها وجاهيًا.

آلاف الطلبة كان النجاح والتفوق حليفهم، وسجلت معدلاتهم ما بين الثمانين و99%، وهؤلاء جميعًا لهم أحلامهم وطموحاتهم التي لطالما حلموا أن تكون من نصيبهم.

منهم من حلم بالطب، وآخر بالهندسة، والكثير ممن رأى في العلوم الإنسانية مجالًا يمكنهم من خلاله أن يخدموا شعبهم في هذه الظروف التي تعيشها غزة.

لكن تلك الأحلام ارتطمت بواقع الجامعات والمصاريف والرسوم العالية التي يجب عليهم دفعها لتحقيق أحلامهم، عدة صور وأوجه لمعاناة الطلاب في غزة نبرزها من خلال قصص لطلاب التوجيهي الذين فقدوا أي أمل يمكن أن يساعدهم على تحقيق حلمهم.

"أحتاج لمصباح علاء الدين"

سامر صباح، طالب في الثانوية العامة والحاصل على معدل 90% في الفرع الأدبي، وهو الابن الأكبر لوالديه، تقول والدته: "طوال السنة كان ابني يدرس ويجتهد، حرمنا أنفسنا من أشياء كثيرة في سبيل أن نوفر له البيئة المناسبة للدراسة، وسجل له والده عند مدرسين خاصين لتقويته في جميع المواد الدراسية، بالإضافة لأننا كنا ندفع له يوميًا 20 شيكلًا ثمن مواصلات لكي يصل إلى مدرسيه في خان يونس، كل ذلك كان يهون أمام تحقيق حلم ابني في النجاح، والحمد لله نجح بتقدير ممتاز. صحيح كان يطمح أن يكون أعلى من ذلك، ولأنه لم يعتمد نهائيًا على أي تطبيق لمساعدته في حل الامتحانات عبر الذكاء الاصطناعي، واعتمد على ما فهمه وقرأه."

تتابع: "الآن ابني انتهى من الثانوية العامة، والعروض تتوالى علينا من العديد من المؤسسات والجامعات لتحفيز سامر على التسجيل فيها، ولكن جميع عروضهم كانت لا تلبي طموح ابني، فهي تنحصر في تقديم منحة لفصل واحد للطالب، وبقية السنة يرتطم بالواقع المأساوي، ويصبح الطالب غير قادر على إكمال الدراسة أو ملاحقًا من الجامعات لدفع الرسوم المستحقة."

يشاركنا سامر الحديث ويقول لوكالة خبر: "فرحتي بالنجاح منقوصة، لم تتعد يومًا واحدًا، بعدها أخبرني والدي أنهما لن يستطيعَا دفع رسوم تعليمي في الجامعة، بعد أن خسرنا كل ما لدينا في هذه الحرب، لم يبقَ لوالدي سوى راتبه المتواضع في عمله كعسكري في السلطة الفلسطينية، وهو بالكاد يطعمنا طوال الشهر.

يتابع: "نحن نعيش في خيمة بعد أن فقدنا منزلنا ومصدر دخلنا، فقدنا كل شيء، والآن نحن نازحون على شاطئ بحر خان يونس. كان والدي يطمح أن أحصل على معدل عالٍ يمكنني من خلاله أن أحصل على منحة الرئيس 100% أو أي منحة أخرى تكون خياراتها أعلى من المعروض، ولكن شاء القدر أن أحصل فقط على هذا المعدل الذي لا يساعدني في الحصول على المنح. صحيح أنني لطالما تمنيت أن أكمل دراستي الجامعية في أوروبا أو أي دولة خارج غزة تكون خياراتها أفضل، حتى هذه الأمنية لن تتحقق في هذا الواقع الذي نعيشه من حرب وإغلاق للمعابر. أنا أحتاج فعلًا إلى مصباح علاء الدين والعفريت لكي يحل لي مشكلتي أو يخرجني للدراسة في جامعات الخارج."

سامر برفقة والده
 

"لن أصبح طبيبة"

كانت تحلم أن تحمل السماعة وتساعد المرضى ممن يحتاجون مساعدتها، وكانت أخواتها دومًا ينادينها بـ"الطبيبة مروة"، لذلك اجتهدت وتعبت وسهرت الليل وواصلت الدراسة، وانقطعت عن الناس ولم ترَ أحدًا طيلة فترة الامتحانات، ولم تعتمد على أي عوامل مساعدة يمكنها أن تأتي بمعدل كبير.

مروة أبو عون، الحاصلة على 97.3% في الفرع العلمي في الثانوية العامة، تحطمت أحلامها منذ اللحظة التي سمعت فيها نتيجتها النهائية، لأنها كانت تعي ظروفها المادية جيدًا، وعدم مقدرتها على الدراسة في الجامعات على نفقتها الخاصة، خصوصًا أنها تحلم بتخصص يحتاج إلى مزيد من الرسوم، تقول: "أعيش مع أمي وأخواتي اللاتي يتعلمن أيضًا، اجتهدت وتعبت وكنت أحاول ألا أضيع تعب والدتي معي، وأحلام والدي الذي تغرب عنا منذ أكثر من 7 سنوات ليبحث لنا عن حياة جيدة في مكان يحفظ كرامتنا ومستقبلنا، فاجتهدت وكنت أتوقع أن أحصل على معدل فوق 99% لكي يتسنى لي الحصول على أي منحة كاملة، سواء في غزة أو فرصة للسفر إلى إحدى الدول، ولكن جاءت نتيجتي على غير كل التوقعات، ولأن وضعي المادي لا يسمح لي بدراسة الطب أو حتى أن أسافر على نفقتي الخاصة للدراسة، قررت أن أبحث عن أي وسيلة أخرى لكي لا يضيع مستقبلي، فمثلًا قررت أن أدرس أي تخصص آخر (وهذا لم أحلم به أبدًا)، ربما أي تخصص متعلق بالهندسة الإلكترونية أو ما شابه، وبانتظار إتاحة الفرصة من أي مؤسسة لمساعدتي على الدراسة على نفقتها، وأتمنى من الله أن أوفق فيما أنا ماضية فيه."

ونوهت مروة إلى أن أحلام الكثير من صديقاتها أيضًا ارتطمت بالواقع المرير الذي يعيشه الطلاب في غزة، وكثيرة هي الحالات لطلاب قاموا بتأجيل دراستهم لكي يعملوا ويجمعوا المال، ومن ثم يستطيعوا دفع ثمن الدراسة في الجامعة، وقد أضاعوا سنة أو عدة سنوات من عمرهم دون دراسة، وهم يجمعون المال لإكمال مستقبلهم التعليمي، وربما يحالف بعضهم الحظ، بينما يبوء البعض الآخر بالفشل الذريع.

على الجانب الآخر، تعبت أمهات كثيرات في إيصال أبنائهن إلى بر الأمان، ومساعدتهم على التعليم حتى سنة التخرج النهائية من الجامعة، وبعضهن وقفن ينظرن من بعيد وعيونهن مليئة بالحسرة والوجع على مستقبل أبنائهن دون أن يستطعن مساعدتهم على ذلك.  

 

 

"علمت أولادي بعد وفاة زوجي"

ولكن الأمر لم يكن كذلك بالنسبة لأم محمد، التي كبرت أولادها وعلمتهم وربتهم أفضل تربية بعد وفاة زوجها، تقول: "مات زوجي قبل عدة سنوات وترك لي حملًا ثقيلًا، أبناءً وبناتٍ يريدون أن يتعلموا، وأنا لست موظفة، ولا لدي أملاك أو مصدر دخل يمكنني أن أعيلهم به، ولكن بفضل الله استطعت أن أمسك بيد كل واحد منهم وأوصله إلى وجهته التي يبحث عنها. تعلم ابني محمد وتخرج، وابنتي الأخرى كذلك، وها هو ابني علي هذا العام تخرج بمجموع مشرف بلغ 98%، وكان حلمه دومًا أن يدرس تخصص الهندسة، فسجلته وحجزت له مقعدًا في الجامعة الإسلامية، التي قامت بإعفائه من الرسوم للفصل الأول فقط".

الطالب
 

وحين سألتها مراسلة "خبر" عما ستفعله في السنوات الأخرى بعد انتهاء المنحة، وكيف ستدبر أمر ابنها وتدفع رسومه، تقول: "ابنتي قبله درست في الجامعة، وحصلت في الفصل الأول من السنة الأولى على مجموع عالٍ مكّنها من الدراسة في الفصل الثاني مجانًا، ولأنها طوال سنوات دراستها حصلت على معدلات عالية جدًا، تم إعفاؤها من الرسوم، وانتهت من تعليمها ونحن لم ندفع أي رسوم. وها أنا أطمح أن يحدث مع ابني علي مثلما حدث مع أخته، وقد أوصيته أن يدرس ويجتهد ليظل معدله التراكمي ممتازًا ويحصل على منح وإعفاءات متكررة، وأتمنى من الله أن يستطيع أن يتجاوز كل الصعاب كما عهدته دومًا قبل وبعد وفاة زوجي. لقد سعيت وأسعى لأن يكون لابني نصيب في التعليم خارج غزة عبر منحة من المنح الدراسية التي يتم الإعلان عنها، ولكن وضع المعابر لا يسمح بذلك."

جدير بالذكر أن وزير التربية والتعليم العالي، أمجد برهم، أعلن في الرابع والعشرين من شهر يوليو أن أكثر من 106 آلاف طالب وطالبة تقدموا لامتحان الثانوية العامة في قطاع غزة خلال السنوات الثلاث الماضية، بينهم 36 ألفًا و900 طالب وطالبة هذا العام، مشيرًا إلى أن الاحتلال تسبب في استشهاد أكثر من 1100 طالب وطالبة كان من المفترض أن يتقدموا للامتحان هذا العام.

ونوَّه إلى أنه تم تأجيل إعلان نسب النجاح التفصيلية لطلبة قطاع غزة إلى موعد لاحق، مرتبط بإنجاز الدورة الثانية لأسباب تقنية، بينما تم نشر أسماء الأوائل للفرع العلمي في القطاع، حيث بلغ عدد المتقدمين من قطاع غزة نحو 37,698 طالبًا وطالبة.