نشرت في 24 أغسطس 2026 10:55 ص
https://khbrpress.ps/post/434350
على سرير متهالك داخل خيمته الحارة، يرقد الطفل يوسف (7 أعوام) بجسد أضنته السرطانات ودمرت مناعته. ينظر نحو النافذة المغبرة كأنه ينتظر معجزة تفتتح له أبواب الشفاء. يوسف ليس مجرد حالة؛ بل هو رمز لأزمة طاحنة تعصف بآلاف المرضى والجرحى في قطاع غزة، حيث تحول ملف "التحويلات الطبية" والعبور عبر معبر رفح إلى شريان حياة مهدد بالانقطاع الكامل، ليجد المريض والمصاب نفسه محاصراً بين فكي الإغلاق والحصار من جهة، وشبهات التلكؤ والوساطات في المنظومة الإدارية من جهة أخرى.
تتحدث الأم عن معاناة طفلها فتقول: "حصلنا على التغطية المالية بعد أربعة أشهر من المماطلة والانتظار، لكن القوائم على المعبر لا تتحرك إلا كالسلاحف، طفلي يموت كل يوم أمامي، وقيل لنا إن هناك 'أولويات' لا نفهم معاييرها؛ فمن يملك المال أو نفوذ المحسوبية يخرج أولاً، ومن لا يملك سوى الله ينظر لبطاقة سفره المحتجزة حتى يأتيه القدر".
رسالتي للمسؤولين: "أوقفوا التعامل مع أجساد أطفالنا كأرقام في المكاتب المغلقة؛ الشفافية في ملف المرضى ليست رفاهية، بل هي الفارق بين الحياة والموت".
المريض وليد محمد الجعيدي يروي معاناته التي طالت دون حل جذري لها، ويقول: "أعاني من فرط نشاط في الغدة الدرقية، وقد تسببت حالتي الصحية في مضاعفات أثرت بشكل كبير على عينيّ، حيث أعاني من جحوظ العينين، وجفاف شديد، وازدواجية في الرؤية، إضافة إلى الحول.
وقد أصبحت هذه الأعراض تؤثر بصورة مباشرة على قدرتي على الرؤية وممارسة حياتي اليومية، وأحتاج بشكل عاجل إلى الرعاية الطبية المتخصصة والفحوصات والعلاج اللازم لحالتي، خصوصاً علاج مضاعفات العين المرتبطة بمرض Graves.
وناشد الجعيدي الجهات المختصة بالوقوف إلى جانبه ومساعدته في الحصول على العلاج والرعاية الطبية اللازمة، لإنقاذ بصره وتحسين حالته الصحية قبل أن تتفاقم المضاعفات، والإسراع في علاجه بالخارج."

قصة معاناة أخرى يرويها شاب أثقله المرض والإصابة، وقد سدت جميع الطرق أمامه. أحمد أبو شرخ، ابن السادسة والعشرين من عمره، فقد في حرب الطوفان قدمه التي كانت تساعده على عبء أيام النزوح، يقول: "أجريت لي عدة عمليات سابقة وبُترت قدمي، وأخبرني الأطباء أنني أحتاج لعمليتين بالإضافة للقدم المبتورة، فيدي اليمنى تعاني من ضربة وحجمها كبير وأوتارها تحتاج لعملية عاجلة، بالإضافة لوجود شظية في شريانها، قام الأطباء بإجراء عملية في رجلي وأخبروني أنني أحتاج لمزيد من العمليات ولكن خارج أسوار القطاع، وقد أعطوني نموذج رقم واحد لتقديمه في العلاج بالخارج، وفعلاً قمت بتقديمه وما زلت من وقتها وأنا أنتظر دوري بالسفر، ولكن لا حياة لمن تنادي، أرى كل يوم العشرات يخرجون للعلاج وأنا أتحسر على وضعي، لذلك أناشد أصحاب الضمائر الحية بالنظر لحالتي والموافقة على خروجي للعلاج في أحد المستشفيات في أي دولة من الدول".

أما الطفل جميل العربيد، ابن العشرة أعوام، مريض القلب الذي يخاف ذووه أن يتوقف عن العمل وهو ينتظر دوره في العلاج بالخارج، فيقول عمه: "التحويلات تحتاج لواسطة قوية، ونحن ليس لنا معارف يسندوننا وحالة ابن أخي صعبة للغاية، لقد طرق والده جميع الأبواب وهو يبحث عن بصيص أمل، لكنها جميعها أوصدت في وجهه، قمنا بالتقديم لتحويلة علاج بالخارج منذ ثمانية أشهر، وقد أُدرج اسم جميل ضمن قوائم المرضى الذين ينتظرون خروجهم، وأعدادهم تجاوزت مئات الآلاف، لذلك أناشد المسؤولين بالنظر برأفة لحالة جميل والإسراع بتحويله لخارج القطاع قبل أن يتوقف قلبه عن العمل، ويترك غصة كبيرة في قلب أمه وأبيه ومحبيه".

حلم الطب الذي بترته المحسوبية
كانت مريم (19 عاماً) تستعد لدخول كلية الطب حين أصابتها شظية طائشة في حوضها وفخذها الأيسر، مما أدى إلى تلف كامل في الشرايين والأعصاب. أقر الأطباء فوراً بحاجتها لعملية ترميم ميكرو-جراحية غير متوفرة في القطاع لمنع بتر ساقها بالكامل.
تقول مريم بصوت خافت يصارع الألم: "انتظرت نداء اسمي في قوائم السفر لمدة ثلاثة أشهر، وكان الجرح يتعفن أمامي يوماً بعد يوم. وفي كل مرة أسأل فيها، يقال لي: 'الأولوية للحالات الحرجة'. اكتشفت لاحقاً أن ابن أحد النافذين خرج للعلاج من إصابة بسيطة في يده خلال أسبوع واحد فقط! خرج هو وبُترت قدمي أنا بسبب التأخير. لم يقتلني البتر، بل قتلتني المفاضلة بين أجسادنا".
لذلك أناشد المسؤولين وكل من يملك قلماً للتوقيع بأن قدمي التي خسرتها لن تعود، لكن اتقوا الله في أقدام وأرواح غيري. اجعلوا المعيار هو قوة الألم وخطورة الجرح، لا قوة النفوذ والواسطة".
سرطان الدم الذي لا ينتظر "التنسيق"
أمير محسن، 4 سنوات، ينام بجسد ضئيل أنهكه مرض اللوكيميا (سرطان الدم)، وتضخم الكبد والطحال لديه بشكل حرج، يتطلب جرعات مكثفة من العلاج الكيميائي والإشعاعي المفقود تماماً في غزة.
يروي والده بقلب محترق: "أمير لا يفهم ما معنى معبر مغلق، ولا يفهم معنى 'تغطية مالية' أو 'تنسيق أمني'. هو فقط يبكي طوال الليل ويطلب مني أن أوقف الألم في عظامه. حصلنا على التحويلة الطبية بعد جهد جهيد، لكن اسمها يتنقل في القوائم كالسلحفاة. أرى أطفالاً آخرين يسافرون لأن ذويهم لديهم علاقات بموظفي التسجيل، وأنا مجرد عامل بسيط لا أملك إلا الدعاء. طفلي يذوب كالشمعة أمامي، وكل يوم تأخير يقربه من القبر step by step".
أرجوكم: “أغيثوا أطفالنا، الموت بالسرطان بطيء وقاسٍ، طفلي لا يحتاج معجزات، يحتاج فقط حقه الطبيعي في جرعة دواء خلف هذا المعبر المغلق”.
ترى الدنيا بالمقلوب
سيلا، التي تعاطف معها آلاف المتابعين حول العالم، لم تستطع الخروج بعد من جحيم غزة. تقول والدتها: "بنتي سيلا عمرها ست سنوات، تصاوبت من سبع شهور ونص، صار عندها شلل نصفي، من المفترض إنها تعمل عملية جراحية عاجلة من أول يوم إصابة، لكن للأسف لسا بتستنى دورها بالسفر، ولهذا السبب صار عندها ليونة بالفقرات (عملية تثبيت فقرات وتنظيف شظايا، وفي منها أمل ترجع تمشي من أول وجديد).
وتابعت: "بتمنى من وزارة الصحة العالمية والجهات الإنسانية والطبية، وجميع المسؤولين عن تنسيق الحالات المرضية والسفر، إنهم يطلعوا لحالة بنتي الصعبة بعين الرحمة والمسؤولية والعمل بشكل عاجل على تسريع إجراءات خروجها للعلاج خارج غزة، رغم إنه تعاطف معها الملايين حول العالم لما شافوا صورها على مواقع التواصل الاجتماعي، إلا إنه بنتي ما قدرت تسافر من المعبر ولا من إجراءات الصحة".
أما عن القصة الأحدث من بين القصص، والتي شاهدها الملايين حول العالم وتعاطف معها الكثير، فهي قصة المسنة ليلى التي صورتها عدسات الكاميرات وهي تجلس على كرسي في الطريق، وهي مضرجة بدمائها، بعد أن أصيبت في قصف إسرائيلي على ميناء غزة أثناء وجودها وابنها وابنتها، فأصيبت مع ابنتها وزوجة ابنها، وارتقى الابن قبل أن تتمكن الأم من توديعه.
تقول ابنتها ابتسام: "لم نسمع صوت صاروخ ولا أي شيء، فقط أحسسنا بضغط وهواء شديد يندفع نحونا، وفقدت وعيي لحظتها". وعندما استيقظت، كانت الفاجعة كبيرة؛ حيث هرعت لتفقد والدتي الملقاة إلى جواري، لأفاجأ بأن يد والدتي لم تعد ممسكة ببدنها إلا بقطعة جلد صغيرة كادت أن تنفصل".
تستحضر ابتسام تلك اللحظات بمرارة وتوضح كيف حاولت إنقاذ أمها بما تملك من أدوات بسيطة: "حملت يدها وربطتها بشادر ووضعتها على بطنها، وصرت أتفقد بقية جسدها. حاولت أن أرفع رأسها قليلاً، فكانت يداي تغرقان في الدماء.. وجهها كان عبارة عن خريطة مشوهة بالدم من كثرة الجروح، لدرجة لم يعد يظهر من ملامحها شيء".
خضعت السيدة ليلى لعمليات جراحية خيطت خلالها جروح متعددة في وجهها ورأسها وجسدها المحترق، إلا أن الأطباء اضطروا في النهاية للوصول إلى القرار الأصعب؛ وهو بتر يدها اليمنى بعد تعذر إنقاذها.
تختتم الابنة قصتها بنداء إنساني عاجل موجه لكل من يسمع صوتها وللضمائر الحية، بضرورة التدخل والمساعدة لتسهيل سفر والدتها للعلاج في الخارج وتوفير ما يلزم لتستعيد جزءاً من حياتها الكريمة، قائلة: "نأمل أن تتمكن من السفر والعلاج لتعود لاستخدام يديها وتعيش مثل أي إنسانة في هذه الدنيا... والحمد لله على كل ما يعطينا الله".
وفي زاوية أخرى، يجلس الشاب أحمد (24 عاماً)، الذي قُطعت قدمه وتدهورت حالة أنسجته المتبقية، ليروي ألم دمج ملفات الجرحى ببيروقراطية التحويلات:
"تعرضت للإصابة قبل خمسة أشهر، وأقر الأطباء بضرورة سفري العاجل لتركيب أطراف صناعية وترميم العظام قبل تفاقم التهاب العظم. لكن اسمي يختفي ويظهر في القوائم دون أي تفسير منطقي. أرى جرحى إصاباتهم طفيفة يغادرون لأن لديهم علاقات وشبكات وساطة، بينما نترك نحن لنواجه خطر البتر الإضافي. الجرح لا يؤلم بقدر ما تؤلمنا المحسوبية التي تحرمنا حقنا في العلاج".
رسالة أحمد: “لا تتركونا رهائن لصفقات المعابر وبيروقراطية اللجان. إن العلاج حق إنساني أصيل، وتأخيره بسبب المحسوبية جريمة لا تقل قسوة عن الإصابة نفسها”.
نزيف الأرقام: قراءة في بواطن الكارثة
تتجسد الأزمة بوضوح شديد في الواقع الفعلي، حيث تكتظ قائمة الانتظار بعشرات الآلاف من المرضى والجرحى، وفي المقابل لا تتجاوز نسبة المسموح لهم بالخروج حاجز الـ3% فقط من إجمالي الحالات؛ إذ يقتصر معدل المغادرة اليومية في أفضل حالات الفتح الجزئي للمعبر على خروج 10 إلى 15 حالة فقط، موزعة بشح شديد بين جرحى وأصحاب أمراض مستعصية.
وعلى الجانب الآخر، يسير مسار العودة بنفس البطء المقلق. هذا الفارق الشاسع جعل فترة الانتظار المقدرة لتفريغ القوائم الحالية تمتد إلى عدة سنوات، ما يحكم على آلاف الحالات الحرجة بالإعدام البطيء.
ملف التحويلات الطبية للجرحى والمرضى: بين الإغلاق والخلل الإداري
لا تقتصر الأزمة على سياسة الحصار وإغلاق معبر رفح البري التي يفرضها الاحتلال، بل تتعداها إلى تشابك وتعقد في ملف التحويلات الطبية وتصنيف الجرحى والمرضى نفسه. تشير شهادات مواطنين ومراقبين إلى وجود اختلالات إدارية وشبهات فساد تتلخص في غياب آلية تقييم علنية تعتمد الشدة الطبية للحالة كمعيار أول للخروج، وبطء صدور موافقات اللجان الطبية المشرفة، وضياع الملفات الورقية أو تأخير اعتمادها، وتقديم حالات غير حرجة أو استغلال النفوذ والروابط الشخصية والمالية على حساب حالات حرجة تتنفس أيامها الأخيرة.
بالإضافة لتداخل الأدوار بين الجهات الحكومية والمنظمات الإغاثية ومكاتب التنسيق، مما يترك المواطن في دائرة مفرغة من التناقضات.
هذا الواقع الأليم يترك المريض والجريح الغزي يخوض معركتين في وقت واحد؛ معركة أليمة مع الجراح والمرض الذي ينخر جسده، ومعركة أخرى مع قسوة الإجراءات وغياب الشفافية، فتستمر المعاناة وتتسع الفجوة بين الأوراق المكدسة في أدراج المسؤولين والأرواح التي تزهق على أعتاب المعابر المغلقة؛ ليبقى ملف التحويلات الطبية قضية رأي عام واختباراً أخلاقياً للضمير الإنساني والمنظومة الإدارية على حد سواء.
يشار إلى أنه خلف الأرقام الصماء والتقارير، تعيش مئات العائلات في غزة تفاصيل يومية قاتلة يتحول فيها المرض والإصابة إلى حكم بالموت المؤجل في انتظار كلمة "موافقة" لا تأتي.
وكالة خبر طرحت هذا الجانب مع المتابعين عبر الفضاء الأزرق (فيسبوك)، فانهالت الشكاوى والتذكير بحالتهم، وهم يناشدون المسؤولين بضرورة الرأفة بأحوالهم ومساعدتهم قبل أن يأتي الوقت الذي يستحيل فيه المساعدة، فكانت كالتالي:





