نشرت في 05 أغسطس 2026 10:08 ص
https://khbrpress.ps/post/433531
بعدما أعلنت الفصائل الفلسطينية، خصوصاً حركة «حماس»، موافقتها على مقترح نيكولاي ملادينوف الممثل الأعلى أو الرئيس التنفيذي لمجلس السلام الخاص بتطبيق خطة الرئيس دونالد ترامب، وبالذات على البنود المتعلقة بنزع السلاح وتسليم الحكم للجنة الوطنية لإدارة غزة، أصبح رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو في وضع لا يحسد عليه، ليس فقط لأن الرئيس ترامب شخصياً أعلن عن هذا الاتفاق ووصفه بالاختراق التاريخي، وهذا يظهر حماسه لتطبيق خطته التي على ما يبدو ستكون الإنجاز الوحيد الذي يمكنه التحدث عنه في هذه المرحلة بعد الإخفاق في إدارة الملف الإيراني الذي لم يعد واضحاً إلى أين يتجه، بل أيضاً للتوضيحات التي صدرت عن ترامب وملادينوف بأن نتنياهو كان قد وافق على هذا المسار سابقاً سواء بالمصادقة على خطة العشرين بنداً التي تبنتها الحكومة أو حتى خارطة الطريق التي رسمها ملادينوف. وحسب مصدر في مجلس السلام، فإن مكتب نتنياهو ومجلس الأمن القومى حصلا على كافة التفاصيل.
الزيارة التي قام بها ملادينوف لإسرائيل واللقاء مع نتنياهو لم يكونا بأي حال بعيدَين عن التنسيق مع الإدارة الأميركية، فمستشار الرئيس جاريد كوشنر كان في صلب المحادثات مع الفصائل وتعهد للفلسطينيين بالتنفيذ الكامل للاتفاق. أي أن الرئيس ترامب معني بمتابعة كل التفاصيل من خلال مستشاريه المقربين، ومعني كذلك بتحقيق تقدم حقيقي في هذا الملف. ويبدو أن نتنياهو الذي لم يلق الترحاب بصورة واضحة في البيت الأبيض، وكان لقاؤه مع ترامب خالياً من الحماس وشابه البرود، يشعر أنه إذا عارض ترامب بصورة جدية يمكن للأخير أن يتوقف عن دعمه، وقد سبق وقدم له دعماً حتى في الساحة الداخلية عندما طالب الرئيس الإسرائيلي يتسحاق هرتسوغ بمنح نتنياهو العفو العام ووقف محاكمته. ولكن نتنياهو الآن يقع بين نارَین: نار ترامب ونار اليمين المتطرف في حكومته الذي يرفض تطبيق الخطة الأميركية - الدولية ويرفض الانسحاب ووقف العدوان على غزة. فكيف يمكن له أن يتصرف والتنافس على أشده في إسرائيل عشية الانتخابات العامة القادمة في تشرين الأول على أصوات اليمين.
اللقاء مع ملادينوف لم يكن سهلاً؛ فهو قد طالب إسرائيل علناً بوقف هجماتها في قطاع غزة خلال الأربعة عشر يوماً التي أعقبت موافقة الفصائل، وهي الفترة التي من المفترض فيها الاتفاق على الجداول الزمنية لتطبيق بنود المرحلة الثانية، والبدء بتسليم السلاح المرتبط بانسحاب إسرائيلي تدريجي. وفي الحكومة الإسرائيلية هناك ثلاثة تحفظات رئيسة على مقترح ملادينوف، فإسرائيل لا تقبل فكرة تسليم السلاح وتخزينه وتطالب بتدمير السلاح حتى لا تستطيع «حماس» السيطرة عليه مرة أخرى واستخدامه كما تدعي. والتحفظ الثاني على أعضاء لجنة التحقق الدولية التي تضم أطرافاً دولية وإقليمية ولا تريد حكومة نتنياهو رؤية قطر وتركيا في هذه اللجنة على خلاف رغبة ترامب. أما الثالث فهو عدم رغبتها بالوقف الكامل لإطلاق النار وتريد الاحتفاظ بحريّة العمل أو الهجمات والاغتيالات في غزة حتى بعد تولي اللجنة الوطنية لإدارة غزة لمسؤولياتها ودخول قوات الاستقرار الدولية. وهذه نقاط خلافية لا يقبل بها مجلس السلام وتتناقض مع خطة ترامب. وقد صرح مصدر سياسي إسرائيلي في أعقاب لقاء ملادينوف ونتنياهو أن إسرائيل لن تنسحب ولن توقف هجماتها.
من الواضح أنه رغم التصريحات المتشددة هناك رغبة إسرائيلية بعدم إغضاب ترامب وبدأ الحديث عن صدور تعليمات جديدة لجيش الاحتلال، ونقلت إذاعة الجيش، أول من أمس، عن مصدر عسكري القول: إن الجيش تلقى توجيهات بتقييد الهجمات على قطاع غزة ولكن دون وقفها بشكل كامل. وهذا يعني أن نتنياهو سيعمل على المراوغة طالما أمكنه ذلك؛ ليبدو من جهة وكأنه قام بتغيير سياسته بناء على مطالب مجلس السلام والإدارة الأميركية، ومن جهة أخرى يواصل سياسته العدوانية تجاه غزة إرضاءً لجمهور اليمين وشركائه في الحكومة إلى أن تأتي الانتخابات. ولكن هذه السياسة ستواجه تحدياً جدياً إذا ما اتخذ الرئيس ترامب قراراً جدياً بتطبيق خطته بحذافيرها فوراً وفق الجدول الزمني الذي يجري إعداده.
حتى الآن تعلن «حماس» والفصائل الفلسطينية تمسكها بما تم الاتفاق عليه، ولكنها لن تسلّم السلاح إذا لم توقف إسرائيل عدوانها بشكل كامل، ويجري ربط تسليم السلاح بالانسحاب الإسرائيلي. وهي تطالب مبعوث مجلس السلام ملادينوف والوسطاء بموقف واضح تجاه ما تقوم به إسرائيل من خروقات فظة للاتفاق. وقد تتوقف عملية تطبيق الاتفاق التي يرجوها الجميع ويأمل بتحقيقها الشعب الفلسطيني؛ بسبب عدم التزام إسرائيل بتنفيذ ما عليها ليس فقط في المرحلة الثانية من الخطة، بل هي لم تلتزم بمتطلبات المرحلة الأولى التي هي في حكم المنتهية. ولا توجد في الواقع ضمانات للتنفيذ طالما لم تلتزم إسرائيل صراحة، ويبقى كل شيء مرهوناً ليس فقط برغبة ترامب في رؤية الخطة تتحقق على الأرض، بل أيضاً بقدرته على لجم التعنت الإسرائيلي وسياسة المراوغة التي ينتهجها نتنياهو، والتي قد تفشل الخطة. فهل تحصل مواجهة بين الاثنين؟ وماذا ستكون نتيجتها؟ هذا ما ستجيب عنه الأيام والأسابيع القادمة.