توارثها الآباء عن الأجداد

تقرير: الإسكافي ومحال تصليح الأدوات المنزلية ملاذ الفقراء في غزّة!

الإسكافي ومحال تصليح الأدوات المنزلية والبيتية ملاذ الفقراء في غزّة!
حجم الخط

غزّة - خاص وكالة خبر - مارلين أبو عون

يتجه عدد لا بأس به من المواطنين لمحلات بيع المستخدم من الأجهزة الكهربائية أو المنزلية لشرائها، والبعض الآخر يتجه لمحال الإسكافي الذي يقوم بتصليح الأحذية التالفة وإعادتها كأنّها جديدة بخفة يده ومهارته التي ورثها عن أبائه وأجداده.

والإسكافي قديماً وحديثاً هو اسم يُطلق على صاحب المهنة الذي يقوم من خلالها بإنتاج كل ما يخص الأحذية؛ من تصنيع وتصميم وإصلاح.

داخل سوق مخيم جباليا للاجئين الفلسطينيين شمال قطاع غزّة، يُوجد شارع خاص لبيع الأدوات المنزلية المستخدمة وقطع الغيار المتنوعة بالإضافة لمحلات تصليح الأحذية المستخدمة، وكذلك محال الخياطة والتي يُديرها رجال ونساء يقومون بتفصيل وتقصير وتضييق وخياطة كافة الملابس للزبائن بطريقة احترافية.

ولعل سبب اكتظاظ ذلك الشارع بالمواطنين هو الحالة الاقتصادية الصعبة التي يعيشونها في غزّة، جراء قلة فرص العمل وعدم التزام الحكومة في رام الله بصرف مستحقات الشؤون الاجتماعية لعشرات الآلاف من العائلات الفقيرة، خاصةً مع بدء فصل دراسي جديد ونظراً لتلك الظروف الصعبة لجأت بعض الأمهات لزيارة محلات تصليح الأحذية والحقائب المدرسية، وذلك لتصليحها بعد أنّ تعذر عليهم شراء مستلزمات المدرسة الجديدة.

تجولت مراسلة وكالة "خبر" بين المحلات والمواطنين الذين ينتظرون دورهم لتصليح متعلقاتهم الخاصة على اختلافها وأهميتها لهم والتقت بهم في التقرير التالي.

"لنا زبوننا الذي يثق بنا"

في محله الصغير الذي لا يتعدى المترين والنصف والمليئ بالأحذية المستخدمة وقطع من مكونات الأحذية الملقاة على الأرض والطاولة هنا وهناك، وفي وسطه ماكينة صغيرة لخياطة الأحذية يجلس خلفها رجل خمسيني تتوسط وجهه نظارة كبيرة لكي يستطيع رؤية العطب والخلل الذي أصاب الحذاء ويُصلحه بكل حِرَفية ومهنية، وعلى باب المحل يجلس ابنه خلف طاولة أخرى لمساعدته فيقوم بوضع الغراء داخل الأحذية التي تحتاج للصقها جيداً، قبل أنّ يُعطيها لأبيه لخياطتها وتسليمها للزبون مقابل مبلغ زهيد لا يتعدى الـ4 شواكل.    

الإسكافي أبو عبدو، يقول: "ورثت هذه المهنة أباً عن جد، كنت قبل أربعين عاماً آتي مع والدي إلى هذا المحل الصغير وأقوم بمساعدته بتصليح الأحذية والحقائب للناس، كان وقتها عمري لا يتجاوز الأحد عشر عاماً، فقد تعلمت كل شيء حتى وصلت العشرين من عمري وأصبح والدي يعتمد عليَّ، وإنَّ كان مريضاً يُرسلني لأفتح المحل وأصلح أحذية الزبائن، وكنت دائماً أسمع كلمات الإطراء والمديح من الزبائن وأفرح كثيراً حين يقولون لي إنّي ماهر جداً في إصلاح أحذيتهم وأُنجزها بسرعة كبيرة".

ويضيف في حديثه لمراسلة "خبر": "مرت السنين وقد تزوجت وجئت بابني ليساعدني كما كان يفعل أبي، وهو الآن أمهر مني أيضاً بل يُضيف لمساته الجميلة ولا يستعصي عليه أمر، كل شيء يخرج من تحت يديه بمهارة وإتقان وكأنها جديدة".

وحول إقبال المواطنين على تصليح أحذيتهم والأسعار المتداولة بين جميع اسكافية السوق، يقول أبو عبدو: "الإقبال موجود في كل المواسم والفصول، فلا ينقطع الناس عن تصليح الأحذية، حيث ساهم الوضع الاقتصادي الراهن في اتجاه الناس نحونا، لعدم مقدرتهم على شراء الجديد ولأنّهم يأخذون عمل متقن بالنهاية لقاء شواكل معدودة وهو مبلغ ضئيل جداً ولا يُذكر مقارنة ما إذا أراد شراء الجديد".

ولفت أبو عبدو، إلى أنَّ السوق مليء بمحلات الإسكافية وجميعهم يدللون على عملهم وينادون على الزبون المار من الشارع لإصلاح ما معه، مُضيفاً: "الأرزاق بيد الله ونحن الإسكافية لكل واحد منا زبونه الخاص الذي يأتي من بيته له مباشرة دون التعدي على رزق أحد، أما الزبون الجديد فهو الحَكَم إذا عجبه ما نعمله سوف يعود مرة واثنين وعشرة، وإذا العكس فبكل تأكيد سيذهب لغيرنا ويتعامل معه، والحمد لله نحن معروفين جداً ولدينا الزبون الذي يثق بنا وبعملنا ونعرفه ويعرفنا جيداً".

"لاتُغني من جوع"

"أبو أحمد" الذي كان يعمل بمهنة الإسكافي، وهجرها بعد أنّ وجدها "لا تُغني من جوع"، فاتجه للعمل في بيع الأحذية الجديدة، يقول: "إنَّ العمل بالمهنة سابقاً كان مُجدياً من الناحية الاقتصادية، وعندما دخلت البضائع الصينية إلى الأسواق تغير كل شي وقضت على المهنة"، مُردفاً: "الناس كانت تأتي إلى السوق لإصلاح أحذيتهم القديمة، والآن تتجه الناس لشراء حذاء صيني بسبب سعره الزهيد، ولحب الإنسان بالدرجة الأولى لشراء الجديد".

ولفت إلى أنَّ مهنة تصليح الأحذية كانت تُشكل مصدر دخل جيد للعاملين فيها، ويحصل العامل على أجر بمقدار عشرون شيكلاً يومياً أو ما يزيد حسب الزبائن وكمية العمل، وفي بعض الأوقات لا يأتي زبون واحد إلى المحل، وهو ما يؤثر على يومية العامل ورزقه.

"ما في اشي ما بقدر أصلحه"

على الجانب الآخر وفي محل يقوم بتقديم خدمة مختلفة للزبائن، يركض صدام هنا وهناك تارةً تجده يقوم برش "فرش الغاز المنزلي" بالطلاء الأسود، وتارةً أخرى يقوم بتصليح أغطية طناجر الضغط وبعض الأجهزة الكهربائية دون كلل أو ملل، وبوجه بشوش أمامه زبائنه الذين جاؤوا إليه من أماكن مختلفة ، يقول لمراسلة "خبر": "متل ما إنتي شايفة أنا شغلي أصلح أي شيئ خربان في البيت، صحيح ما عندي قطع غيار لكل شيء بس ما بخلي الزبون يحس في هادا الاشي، بروح بسرعة على وسط السوق وبشتري قطع الغيار اللازمة وبخصم حقها من الزبون بس يدفعلي، والحمدالله كل اشي بعرف أعمله".

ويُتابع: "صحيح هادي الشغلانة يا دوب تقدر تطعميني وتسترني أنا أولادي، لكن أنا راضي فيها ومبسوط، أحسن ما أقعد بدون شغل، وبهذا الوقت صار عندي زباين بحبهم وبحترمهم وبثقوا فيا، ومرات بيتركوا الاشي الخربان عندي باليوم واليومين إذا مش مستعجلين عليه، وبيكلموني وبيجوا ياخدوا أغرضهم وهما مطمئنين إنه رجع أحسن من أول كمان".

وعن الأدوات والأجهزة التي يقوم بتصليحها، يُجيب: "فش اشي ما بصلحه، كل اشي بحاول معه وبعرفه (مراوح -غازات- طناجر- تركيب مقابض للأدوات المنزلية -الأجهزة الكهربائة -الخلاطات.. إلخ) وكل ما بيخطر على بالك بصلحه، وما بأخذ إلا تعبي، كل اشي يشتريه بيدفعه الزبون أنا بس بآخذ على كل قطعة شيكل أو اثنين وبهيك بيطلع زبوني راضي من عندي ومبسوط".

"رأي المواطن"

"أم محمد" تقف لتنتظر صدام للانتهاء من تصليح غازها، بعد أنّ تعبت من تسريبه للغاز وعيونه التي بات يخرج منها دخان أسود "شحبار" فلجأت إلى صدام الذي طمأنها بأنَّ الحل لديه، تقول: "أنا زبونة دائمة في هذا المحل، أثق بما يفعله صدام وأثق بنزاهته وأمانته، غير ذلك عمله متقن جداً، وآتي إليه كلما توقفت عندي الأجهزة الكهربائية أو انكسر لي شيء يمكن تصليحه، اليوم جئت إليه لكي يجد لي حلاً في الغاز الذي أصبحت عيونه تُخرج دخاناً أسود بالإضافة إلى أنني كلما أستخدمته أشعر أنَّ أنبوبة الغاز قد شارفت على الانتهاء (فهو يسرب الغاز وهذا خطر كبير) وهو وعدني أنّ يجد الحل، وبعد أنّ رآه اتضح أنَّ هناك ثقب في المجرى الذي يؤدي لعين الغاز بالإضافة لأنّه يلزم تغيير عيونه التي أكلها الصدأ، فأنا أعمل عليه منذ عشرين عاما، ولست مهيأة لشراء غاز جديد، والحمد لله جئت اليوم وحينما رأيت غازي وكأنه جديد ليس هو، وقد أشعله أمامي وأصبح يعمل بشكل ممتاز، ولم أخسر عليه سوى ثلاثون شيكلاً لتغيير العيون ومجرى العين ولقاء تعبه فقط كان 5 شواكل لا أكثر".

"ما باليد حيلة"

"طارق عبد الله" يقف ومعه كيس كبير من الأحذية والحقائب قصد محال الإسكافي أبو عبدو، لتصليحها بعد أنّ فشل في إيجاد فرصة عمل دائمة، لكي يتسنى له شراء أحذية وحقائب جديدة لأبنائه الغير مسرورين كثيراً من وضعه، والذين كانوا وما زالوا يبكون لأبيهم لكي يشتري لهم الجديد ولكن ما باليد حيلة، يقول: "أتمنى أنّ يقوم أبو عبدو وابنه بتغيير بعض ملامح الحقائب وإصلاح الأحذية لكي أستطيع أنّ أدخل البهجة على وجوه أولادي ، وسأقوم طبعاً بطلاء الأحذية وتنظيفها ووضعها في صناديق كرتونية جديدة لكي يفرح بها الأولاد".

ونوّه طارق، إلى أنَّ أبو عبدو وعده بتغيير ملامح بعض الحقائب وبأنّه سيقوم بخياطة بعض الكُلف والرسومات الجميلة عليها لتبدو وكأنها جديدة، بالإضافة لإصلاح أحذيته لتبدو أيضاً كأنها جديدة، مُستدركاً: "سأضع الكيس عنده وسأذهب بعد أنّ أقول له ماذا سيعمل بالحقائب والأحذية، وسأعود بعد ساعتين، فكما هو واضح أنَّ أعداد الزبائن في ازدياد، ولا يستطيع الإسكافي وولده عمل كل ما يحتاجه الزبون في نفس اللحظة".

وأكمل: "لو أني أملك المال لما جئت هنا، فالأطفال يفرحون بالأشياء الجديدة وحينما يجدون زملائهم يلبسون الجديد وهم لا، سيشعرون بالنقص والحزن الشديد، ولكن ما باليد حيلة، حاولت أنّ أطرق العديد من الأبواب للعمل لكني لم أفلح، وأعتمد على مخصصات الشؤون الاجتماعية وهذا الشهر لم نأخذها كاملة، وكان من المفروض أنّ أتقاضى 1800 شيكل إلا أنني تفاجأت أنّ ما تسلمته هو 360 شيكل فقط لا غير، فلو استلمت المبلغ كاملاً كنت اشتريت الجديد لأولادي، ولا أقول إلا حسبي الله ونعم الوكيل".