الوهم والحقيقة في الواقع الفلسطيني

aac57ec2b3ab917b9541a226e90c25eb.jpeg
حجم الخط

بقلم مصطفى إبراهيم

 

 30 عاما على أوسلو الذي دمرته إسرائيل، وبمجرد مقتل إسحاق رابين في العام 1995، الذي عولت عليه القيادة الفلسطينية باعتباره فرصةـ وأنه كان سيقربهم من الحصول على دولة، مع أنه هو من وضع الخطوط العريضة وحدود الكيان الفلسطيني المشوه واصبح من قواعد الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، منذ ذلك الوقت وحتى يومنا هذا، هو حكم ذاتي فقط ومهامه الأساسية واضحة، وسقفها التنسيق والتعاون الأمني.

صحيح لم ينكسر الشعب الفلسطيني، ولم تحقق إسرائيل انتصارها على الفلسطينيين برغم التنكر لحقوقهم الوطنية، لكن الحال أسوأ مما كان عليه، وخيبات الأمل تتوالى وتتعمق أزمة الفلسطينيين، والانقسام يتم ترسيخه ويزيد على معاناتهم، وغياب الرؤية الوطنية الجامعة لمواجهة الاحتلال العسكري الذي يغرس جذوره في الاراضي الفلسطينية، ويعمق الاستيطان ويدعم ويحمي خطط وسياسات المستوطنين من اليمين المتطرف الفاشي العنصري. 

لا حل للدولتين ولا غيرها من تلك الأوهام، وما تزال القيادة الفلسطينية تنتظر الفرصة، والسؤال: أين هي الفرصة؟ لقد دمرت إسرائيل طموح وآمال القيادة الفلسطينية بإنجاز شيء ما من خلف مشروع أوسلو وحل الدولتين، وتعطيل الحياة السياسية الفلسطينية وتم تقييد التفكير والمبادرة الفلسطينية والفعل الوطني الموحد لمواجهة الاحتلال ومشاريعه.

الوقت يمر، لكن نوافذ الفرص الفلسطينية كبيرة، ومفتوحة، وبإمكان الفلسطينيين، إذا ما استفاقت القيادة والفصائل الفلسطينية أن تفتح الطريق أمامها، وإذا فكرت خارج الرؤية القائمة بالتعويل على بقايا أوسلو، وسياسة الانتظار، ووعود الولايات المتحدة والتعويل على المجتمع الإسرائيلي الذي ينزاح بشكل كبير نحو اليمين المتطرف الفاشي. 

عقد من الزمن وأكثر، يتكرر الخطاب على مسرح الجمعية العامة للأمم المتحدة بأشكال وكلمات وتعبيرات مختلفة، في ظل الغموض وفقر المعلومات التي تبين للفلسطينيين الموقف من السرعة الدراماتيكية حول التقدم في التطبيع الإسرائيلي السعودي، وما الذي تم تناوله في زيارة وفد فلسطيني للسعودية؟ 

هذا هو ما يبدو عليه القائد الذي لم يعد ذو صلة، ولم يتبق له سوى المسرح لطرح مظلوميته مرة كل سنة، كل هذا جزء من المسرح الذي سيبلغ ذروته في الفصل التالي، خطاب القائد العام للثورة والدولة والسلطة الفلسطينية في الجمعية العامة. كل مرة كان يمكننا التنبؤ بما ستقوله الضحية.

ولكن بعد ذلك، تنتهي الحفلة ونعود إلى الواقع. وماذا في الواقع؟ سينتهي كل هذا قريباً، لقد رأينا هذا العرض من قبل. نحن نعرف كيف يبدو القائد الذي لم يعد ذو أهمية. ولم يبق له سوى الواقع المتمثل بالاحتلال العسكري ونظام الفصل العنصري وجرائمه، وانقسام فلسطيني، وكل ما تبقى من السياسة الفلسطينية، هي الانتظار والنميمة والثقافة الوطنية والسياسية التي تثير الخوف على مستقبلنا. 

ماذا يحدث عندما يتم تكرار الرواية البالية والاستماع بفتور من الحاضرين وغالبية منهم متواطئين وجلادين، ولا تنفيذ أي قرار حتى حول مفهوم العدالة؟ هل ينبغي الاستمرار في سرد الرواية بخطاب الضحية الضعيفة، التي تظهر كأننا مجموعة من الضعفاء لدينا ادعاءات، وأن من بيننا من ارتكبوا جرائم؟ هل يجوز الاستمرار في طلب الحماية؟ وهي مستحقة؟  لكن يبدو أنه في غياب أي نقاش فلسطيني مفتوح، والبحث في ماهية القضية والمشروع الوطني وتعريفه، فإن الواقع سيقرر بالنسبة لنا.

قد يكون الغموض في ما يخطط للفلسطينيين في الصفقة الأمريكية السعودية الإسرائيلية، وما هو الثمن الذي سيدفع للفلسطينيين لإرضائهم حسب الطلب السعودي، وهي مجرد تسهيلات إسرائيلية للفلسطينيين، وقد تتضمن تغييراً في وضع بعض الأراضي الواقعة على الحدود، والحدود في الضفة الغربية وفرض قيود على البناء في المستوطنات حسب ما يتم نشره في الاعلام الإسرائيلي. 

لكن الواقع غير ذلك عندما يتعلق بحكومة اليمين العنصري الفاشي، وما تقدم به زعيم الصهيونية الدينية بتسلئيل سموتريتش (خطة الحسم) لأول مرة في عام 2017، بدت وكأنها هلوسة جامحة من أطراف اليمين. ومع حكومة نتنياهو وضع بين يديه الوسائل والأدوات اللازمة لتحقيق ذلك. وربما سيُقال له أيضاً إنه من الممكن الاستمرار في القيام بذلك بعيداً عن الأضواء، حتى لو تم التوقيع على اتفاق التطبيع. والسؤال هو ما إذا كان كل هذا يهم السعوديين على الإطلاق.

وبالعودة للأشهر الماضية من السنة الحالية، وما تم فرضه على أرض الواقع، وكما تتناوله وسائل الاعلام والمحللين الإسرائيليين، يبدو أن وزير الأمن في وزارة الأمن (سموتريتش) ينجح في تحقيق نواياه بفعالية كبيرة. وإن جهاز التحكم الخاص به محسوس بشكل جيد في وزارة الأمن، وفي جهاز تنسيق العمليات في الضفة الغربية، وفي قيادة الجيش الإسرائيلي الوسطى. وإن اهتمام الوزير غالانت ورئيس الأركان هرتسي هاليفي بما يحدث في هذه المنطقة محدود للغاية. وخطة سموتريتش الطموحة بدأت تؤتي ثمارها بالفعل لبسط السيادة اليهودية. فقد نجح في اختصار عملية السيطرة على الضفة الغربية من سبعة خطوات لمنح تصاريح البناء في الضفة الغربية إلى اثنتين فقط، تحت سيطرته. المدة الزمنية بين اتخاذ القرار قد يستغرق بضعة أيام حتى تدخل الجرافات المنطقة، كما وافقت الحكومة على (تبييض) تسوية الوضع القانوني لـ عشر بؤر استيطانية غير قانونية.

ومنذ تشكيل حكومة اليمين الفاشي العنصري، نهاية شهر كانون الأول/ ديسمبر الماضي، تمت الموافقة على 12 ألف وحدة سكنية في الضفة الغربية على أربع مراحل، اثنتان منها ردا على العمليات الفدائية في الضفة الغربية. وبالمقارنة، مع حكومة بينت لبيد تمت الموافقة على 4000 وحدة سكنية خلال العام ونصف العام ولايتهما. لا يوجد شيء تقريبا للحديث عن إخلاء البناء اليهودي غير القانوني. وعندما يحدث هذا بالفعل، يطلق المستوطنون صرخة الغضب والاحتجاج، ويستخدم الطرفان ذلك لصرف الانتباه عن البناء الحقيقي الذي يجري في الميدان.

ذلك بحسب ما ذكره المحللين والباحثين الإسرائيليين، أما التحركات التكميلية فيقوم بها وزراء آخرون في الحكومة. وضع وزير البناء والإسكان، من يهودية التوراة، الخطوط العريضة لخطة استراتيجية تهدف إلى توفير حل لاكتظاظ المستوطنين اليهود المتشددين في أعمال البناء واسعة النطاق في الضفة الغربية، في بيتار عيليت وكريات سيفر وعمانوئيل. 

حوالي ربع ميزانية وزارة المواصلات في عهد الوزيرة من حزب الليكود ميري ريغيف، والتي تصل إلى 13.4 مليار شيكل سنويا، يتم توجيهها لاحتياجات المستوطنين في الضفة الغربية، الطرق الالتفافية والأنفاق ومكونات الحماية.