ما زلنا أحياء.. ولكن الموت على الأبواب!!

d5ac27ef3d43cab70774aacef4bb6ff7.jpg
حجم الخط

بقلم د احمد يوسف

قليل هم أهل الوفاء في هذا العالم، لكنَّ صديقي الإيرلندي اوليفر ماك تيرنن ظل على تواصله معي طوال كل تلك الأيام، التي استعرت فيها فظائع الحرب والدمار على قطاع غزة، وكنت أردُّ عليه أنني ما زلت حيَّاً، ولكنَّ كلّ من حولي ينزف ونحن نتنفس رائحة الموت، وأصوات الانفجارات التي لا تبقي ولا تذر.. كانت هذه هي رسالتي إليه وإلى كلِّ الأصدقاء الذين عرفتهم من أصحاب الضمائر الحيِّة في الغرب، والذين ظلّت مشاعرهم وألسنتهم تلهج بالكلم الطيب: "قلوبنا معكم ودعاؤنا لكم".


كثيرون هم من تواصلوا من بريطانيا وأمريكا وفرنسا وإسبانيا وألمانيا والسويد والنرويج وتركيا والإمارات ومصر والجزائر...الخ


هذه الرسالة في نبضها العام لكلِّ هؤلاء، ولكنها في جوهرها هي رسالة وداع للصديق الأعز على قلبي السيد أوليفر ماك تيرنن، والذي عرفته لأكثر من سبعة عشر عاماً كمفاوض ورجل سلام، وإليه يرجع الفضل في إنجاز صفقة (شاليط- وفاء الأحرار).


هذا الرجل صاحب الفضل في زيارتي الأخيرة لجنوب لأفريقيا قبل الحرب على قطاع غزة بأسبوعين، بهدف الاطلاع على تجربتها في النضال لتحقيق الاستقرار والسلم الأهلي والتخلص من نظام التمييز العنصري (الأبارتايد).


هذه الرسالة هي بمثابة وداع إليه، حيث بذل الكثير من الجهد من أجل قضيتنا، وعمل بإخلاص لكي تجتمع كلمتنا ويلتئم شمل الكلِّ الفلسطيني..


إلى صديقي الذي عملنا معاً لأكثر من عقد ونصف العقد من الزمن، وكنَّا معاً أصحاب رسالة إنسانية نبيلة نأمل من خلالها أن يعمَّ السلام على هذه الأرض التي باركها رب العالمين، وأن يتحقق للفلسطينيين الوصول إلى حقهم في الحرية وتقرير المصير.


غزة تقول للعالم:
لن نستسلم.. ننتصر أو نموت!!
إلى صديقي أوليفر ماك تيرنن.. الإنسان الطيب ورجل السلام، والشاهد على مأساة شعبنا بكل أبعادها السياسية والاجتماعية والأمنية والإنسانية، والمطِّلع على حجم المظالم التي لحقت بشعبنا وقضيتنا، جراء التواطؤ الغربي وخاصة الأمريكي مع إسرائيل؛ الدولة المارقة والكيان الغاصب لأرضنا، والرافض لحقنا في تقرير المصير.


هذه رسالتي إليك صديقي العزيز أوليفر ماك تيرنن.. وقد تكون هذه الكلمة هي رسالة الوداع الأخير، فنحن لا نضمن العيش أحياءً لساعة أو ليلة أخرى.


لصديقي العزيز أوليفر نقول: الفلسطينيون يصرخون بأصوات يائسة: يا وحدنا.. ويتساءلون: أين هو العالم الحر؟ وأين هم أصحاب الضمائر لمشاركتنا المآسي والأحزان؟!


لم تعد مناشدات أمهات الضحايا ولا صراخات الأطفال ومن هم تحت الأنقاض تجدي، إذ إنَّ حالة الفزع والهلع التي أصابت جميع الفلسطينيين لا سابق لها، جراء ما يشاهدونه من فظائع القتل والدمار التي طالت الجميع ولا يستثني الاستهداف الإسرائيلي أحداً، فالقنابل الثقيلة التي تسقطها الطائرات الحربية الإسرائيلية على مساكن المواطنين الآمنين بدون إنذار مسبق في أغلب الحالات، تجعل من الصعب العثور على أحياء بين الأنقاض، إذ يتم تسوية العمارات الشاهقة بالأرض، مع الكثير من البيوت المجاورة لها.


الناس تصرخ: لماذا كلُّ هذا العداء والكراهية لنا؟ نحن فقط نقاوم لتحرير أرضنا واستعادة حريتنا وكرامتا. هل المطلوب منا أن نستسلم لهمجية الاحتلال والرضى بالذل والعبودية؟ أين هي قيم الغرب؟ وأين هي مبادئه وشعاراته الداعية لحق الشعوب في تقرير مصيرها؟ لماذا ينجو دائماً مجرمو الحرب في إسرائيل من العقاب، رغم ارتكابهم جرائم حرب بحق الفلسطينيين، كما أن جرائمهم بحق الإنسانية لا تخفى على أحد؟ لماذا كل هذا الغياب للعدالة والإنسانية في السياسات الغربية؟


هل بعد كل هذه المجازر والمذابح والتطهير العرقي وسياسة الأرض المحروقة ضد الفلسطينيين، هل هناك من حق للغرب أن يتساءل: لماذا يكرهه الفلسطينيون والعرب والمسلمون، ويرفض سياساته كلُّ صاحب ضمير في هذا العالم.
أليس من حقنا كباقي البشر أن نعيش في وطن حرٍّ مستقل، أم أنَّ قدرنا أن نظل نتنفس رائحة الموت، والعيش وسط المقابر والركام؟!


اللهم أشكو إليك ضعف قوتي وهواني -رغم عزتي- على الناس، اللهم نصرك الذي وعدت.