تقرير: الهويات الجديدة تحرم غزيين من المساعدات ومناشدات لبنك فلسطين وجوال لتسهيل الإجراءات

نشرت في 19 يوليو 2026 11:32 ص

مارلين أبو عون - غزة - وكالة خبر

https://khbrpress.ps/post/432785

مرت ثلاث سنوات على الحرب في غزة، في كل لحظة وكل يوم تبدع الظروف في الضغط على المواطن أكثر، لتدمير ما تبقى منه نفسياً وجسدياً.

ولعل من ضمن الظروف الصعبة التي تكالبت على المواطن هي إصرار بعض المؤسسات الدولية والبنوك على التعامل مع الوثيقة التي تم إصدارها قبل السابع من أكتوبر 2023، حتى مع إصدار الهوية الخضراء من داخلية غزة، إلا أن تلك المؤسسات لا تقبل بها، فبالتالي أدت إلى فقدان المواطن حقه في المساعدات المالية الطارئة، على سبيل المثال، المقدمة من برنامج الغذاء العالمي، والتي خصصت محفظة "بال باي" الإلكترونية للتعامل بها، والقائمون على تلك المحافظ لا يقبلون فتح حساب خاص للمواطن الذي لا يملك هوية خضراء قبل السابع من أكتوبر. يشار إلى أن الآلاف من المواطنين نزحوا من بيوتهم دون أن يأخذوا أوراقهم الخاصة التي تثبت هويتهم، والتي تساعدهم أمام الدوائر الحكومية والمؤسسات الدولية، وبعضها أصبح مصيرها تحت الركام أو الحرق.

"لا بشتغل ولا بيطلعولي أكواد"

محمد إسماعيل، خمسة وثلاثون عاماً، زوج وأب لثلاثة أطفال، يجلس أمام خيمته المهترئة في خان يونس، يحدثنا عن معاناته، فيقول: "لما طلعنا من بيتنا ما لحقنا ناخد أي ورقة، حتى هويتي تركتها بالدُّرْج، لما شفنا الصواريخ نازلة فجأة بكل مكان اضطريت أطلع أجري بأولادي من غير وعي، ما كنت بعرف إنه البيت هينقصف بعد نزوحي بيوم واحد، وكل الوثائق والصور صاروا تحت الركام، قعدت سنتين ونص وأنا ما بحمل هوية شخصية، وما معي أي شيء يثبت هويتي، وبالتالي ما قدرت أقدم بأي مؤسسة للمساعدات".

وتابع إسماعيل: "ما صدقت تفتح الدوائر الحكومية ويصدروا هوية بدل فاقد، قلت بتساعد معي في التعريف عن نفسي، لكن تفاجأت إنه شركة جوال ما بتقبل بالهوية الجديدة، فما قدرت أفتح محفظة بال باي ويكون إلي نصيب في مساعدات الـ1250 شيكل المقدمة من برنامج الغذاء العالمي، حاولت مع الوكلاء واتصلت على الشركة، خبروني أنه هادي إجراءات وقوانين ما بيقدروا يتجاوزوها".

وأردف قائلاً: "بعد فشلي في فتح حساب محفظة بال باي، قلت أفتح حساب بنك، مع إنه المؤسسات الدولية مثل اليونيسيف وبرنامج الغذاء العالمي ما بيتعاملوا مع البنوك في تحويلات المساعدات النقدية، بس كنت مثل الغريق اللي بيتعلق بقشة، وياريته زبط؛ حتى البنك طلع ما بيتعامل مع أي هوية إصدارها من بعد سبعة أكتوبر".

وتساءل إسماعيل: "يعني أنا شو أعمل في هيك وضع؟ ما في مؤسسات بتبعتلك مساعدات نقدية طالما ما عندك محفظة بال باي، ولا بنوك هتفتحلك حساب لتودع فيه أي مال جاي من باب الله، أنا لمين أروح؟ وليه هما بيعملوا فينا هيك؟ نزحنا وطلعنا من تحت الركام، وما أخدنا غير أواعينا اللي علينا، كل أوراقنا ومستنداتنا وذكرياتنا وصورنا انحرقوا تحت ركام بيوتنا، هاتولنا حل مشان نقدر نعيش؟!".

"فقدت زوجي وابني وأوراقي الخاصة"

أما شروق محمد، فقصتها لا تختلف كثيرًا عن معاناة إسماعيل في المضمون أو النتيجة، تقول شروق لمراسلة وكالة خبر: "أنا أم ولدي سبعة من الأطفال، خرجنا من منطقة الزيتون غرب مدينة غزة مكرهين تحت قنابل وصواريخ الاحتلال التي لم تمهلنا دقيقة لنأخذ ملابسنا أو أوراقنا الشخصية، خرجنا نركض من المنزل بعد أن استهدفوا منزل جيراننا بصاروخ إف 15، وكدنا أن نموت لولا عناية الله، حملنا ما استطعنا من أطفالنا وخرجنا مسرعين، وعانينا النزوح والجوع والخوف ونحن لا نملك شيئًا؛ ومما زاد من معاناتي استشهاد زوجي وابني معتصم حين قام جندي احتلالي باستهدافهم مع مجموعة من الشباب الذين كانوا ينتظرون المساعدات التي تدخل عن طريق الشاحنات في شارع عشرة وسط قطاع غزة أيام المجاعة، فقد استهدفهم بقذيفة دبابة، شاء القدر أن يتناثر جسد زوجي ويختلط بجسد ابني معتصم، لقد استشهدا وهما يبحثان عن لقمة العيش بعد أن أنهكنا الجوع، فاضطر زوجي وابني أن يذهبا كسائر الشباب الذين خرجوا من كل مكان من أجل أن يحصلوا على حفنة من الطحين أو كيلو من الأرز يعودوا بعدها لنا مجبوري الخاطر ليسدوا قليلًا من جوعنا، لقد مات ابني وزوجي وتركا لي حملًا ثقيلًا لا أستطيع أن أتحمله لوحدي، طالما لا أحد يستطيع مساعدتي، الجميع هنا وضعه المادي صعب، فاتجهت للتسجيل عبر روابط المؤسسات الدولية للحصول على مساعدة نقدية، وحين أردت فتح حساب خاص من تطبيق بال باي لاستلام المساعدات المالية عليه؛ تفاجأت أنهم لا يعترفون بالهوية الجديدة".

وتتابع: “لقد حاولت مع وكيل بال باي، وذهبت لشركة جوال ولبنك فلسطين، جميعهم أغلقوا الأبواب في وجهي بحجة القوانين واللوائح التي هي أشد قسوة من معاناة الحرب، هؤلاء جميعًا أوصدوا باب الفرج في وجهي، هل تعلمين أن قيمة المساعدة المالية التي يمكن أن تُحوَّل على حساب المحفظة تستطيع أن تنتشلني وتنتشل أطفالي من أيام طويلة من الجوع والقلق والخوف، أيام طويلة تمر عليّ لا أستطيع فيها النوم من كثرة التفكير وأنا أرى أبنائي يتمنون أشياءً كثيرة وأكلات لا أستطيع توفيرها لهم لعدم امتلاكي المال لشرائها”.

ووجهت شروق نداءً عاجلًا للمؤسسات الدولية وبنك فلسطين تطالبهم بالعدول عن بعض القوانين التي وضعوها على رقبة المواطن في غزة، تقول: “أوجه استغاثتي وندائي لكل مسؤول في غزة والضفة أن يجدوا حلًا لهذه المشكلة، عليهم إيجاد طريقة أخرى لتوزيع أموال المساعدات على المواطنين بعيدًا عن محفظة بال باي، وعلى شركة جوال وبنك فلسطين أن ينظروا بعين الرحمة للمواطن الذي عانى ويعاني في غزة، ويخففوا من تلك الإجراءات التي تحرمه من أن يعيش حياة بسيطة يستطيع توفير لقمة العيش لأطفاله”.

وعلى الجانب الآخر، توجهت مراسلة خبر بسؤال موظفي بنك فلسطين ومحفظة بال باي حول تلك الإجراءات، لكنهم جميعًا أجمعوا على أن تلك القوانين واللوائح تأتيهم من الإدارة في رام الله، وهم ينفذونها فقط.

ويبقى السؤال الأهم في هذا الجانب: لماذا يصر المسؤولون في بنك فلسطين وشركة جوال على إبقاء الأمور على ما هي عليه دون حلول جذرية، مع أن أصوات وشكاوى المواطنين زادت في الآونة الأخيرة، مطالبين الجهات المختصة بالنظر في أحوالهم وتسهيل الإجراءات المتعلقة بمعاملاتهم المالية والمصرفية دون أي صعوبات، وخصوصًا أن الأوضاع الاقتصادية تزداد سوءًا عن قبل، وقلة فرص العمل زادت من حاجة المواطن لتلك المساعدات المالية المقدمة من المؤسسات الدولية والمحلية لتسيير أمور حياته اليومية.