تقرير: "سينما هَوَسْ".. شقيقتان تحولان ركام الحرب في غزة إلى نافذة للفرح

نشرت في 30 أغسطس 2026 12:24 م

محمود غانم - غزة - وكالة خبر

https://khbrpress.ps/post/434600

من بين الركام وآثار الحرب، حاولت الشقيقتان صفاء وشيماء ضبان استعادة مساحة صغيرة للفرح، فأعادتا إحياء مشروعهما "سينما هَوَسْ"، لتقديم عروض لأفلام الرسوم المتحركة، في محاولة لخلق متنفس ترفيهي ونفسي للأطفال وعائلاتهم، وسط واقع أثقلته الحرب بالنزوح والخوف والفقد.

وفي مكان أنهكته الحرب، لا تبدو "سينما هَوَسْ" مجرد مشروع تجاري، بل محاولة صغيرة لاستعادة شيء من الحياة؛ شاشة تُضيء وسط العتمة، وأفلام كرتونية تمنح الأطفال لحظات من الضحك، وشقيقتان تحاولان، رغم كل ما خسرته غزة، أن تتركا للفرح مكانًا.

وتولي الشقيقتان اهتمامًا خاصًا بالأطفال الأيتام الذين فقدوا ذويهم خلال الحرب، من خلال تخصيص عروض مجانية لهم، أملاً في منحهم ساعات قليلة بعيدًا عن مشاهد الدمار وذكريات الفقد.
WhatsApp Image 2026-08-30 at 12.35.47 PM
 

من التصميم إلى البحث عن فكرة جديدة

شيماء ضبان، 33 عامًا، خريجة تربية وتكنولوجيا معلومات، عملت مصممة جرافيك لدى شركات محلية ودولية، قبل أن تقطع الحرب طريقها عن العمل وتضعها أمام واقع جديد تراجعت فيه أبسط مقومات الحياة المهنية، من الكهرباء إلى الإنترنت.

تقول شيماء، إنّ العودة إلى عملها "لم تكن سهلة"، في ظل شح الكهرباء وضعف الإنترنت، ولا سيما في المنطقة التي تقيم فيها، لكن توقفها عن مهنتها لم ينهِ رغبتها في الإبداع، بل دفعها مع شقيقتها إلى البحث عن فكرة مختلفة يمكن أن تمنحهما فرصة للعمل، وفي الوقت نفسه توفر مساحة للترفيه وسط أجواء الحرب.

وتؤكد لـ"خبر" أن فكرة "سينما هَوَسْ" انطلقت من شغف عائلي قديم بمشاهدة أفلام الكرتون قبل الحرب، قبل أن تقررا توسيع التجربة لتصبح متاحة للعائلات في غزة، بهدف "تغيير الجو والخروج عن المألوف"، وتحويل هذا الشغف إلى مشروع يساعدهما على الاستمرار.

ومنذ الإعلان عنه، حظي المشروع بتفاعل لافت من سكان القطاع، الذين وجدوا فيه فكرة مختلفة في ظل ندرة الأماكن المخصصة للترفيه، وغياب الكثير من المساحات التي كانت تمنح الأطفال والعائلات فرصة للابتعاد عن ضغوط الحياة اليومية.

WhatsApp Image 2026-08-30 at 12.35.47 PM (1)
 

أشهر من العمل وسط الركام

أما صفاء ضبان، 28 عامًا، خريجة ترجمة لغة إنجليزية وأم لطفلتين توأم يتيمتين، فتقول إنّ فكرة المشروع بدأت قبل اندلاع الحرب، لكن تجهيزاته توقفت مع بدء العدوان، قبل أن تعود الشقيقتان إلى استكمالها رغم الدمار وشح الإمكانيات.

ولم يكن تحويل الفكرة إلى واقع مهمة سهلة؛ إذ استغرق تأهيل المكان عدة أشهر، شملت إزالة آثار الدمار وترميم المدخل، وتأهيل شبكات المياه والصرف الصحي، إلى جانب تغطية السطح المكشوف بالشوادر والهياكل الحديدية لحمايته.

وتوضح صفاء لـ"خبر" أن تأمين الكهرباء كان من أصعب التحديات التي واجهتهما، إذ اضطرتا إلى إنشاء خط كهربائي بتكلفة مرتفعة، ومع استمرار انقطاع التيار، لجأتا إلى مولد احتياطي يعمل بالبنزين، في وقت تعاني فيه غزة من ندرة الوقود وارتفاع أسعاره، ما أضاف أعباء جديدة إلى تكاليف تشغيل المشروع.

وتتطلع الشقيقتان إلى أن يتمكن مشروع "سينما هَوَسْ" مستقبلًا من التوسع وخفض تكاليف تشغيله، بما يسمح بتقليل أسعار التذاكر والإبقاء على السينما مساحة مفتوحة أمام الأطفال والعائلات.

WhatsApp Image 2026-08-30 at 12.36.09 PM (1)
WhatsApp Image 2026-08-30 at 12.36.09 PM (2)
 

حلم قصير العمر

لكن "سينما هَوَسْ" لم تتمكن من الصمود طويلًا؛ فبعد فترة قصيرة من انطلاقها، تعرض المكان لتدمير جزئي أجبر الشقيقتان على إغلاقه مجددًا.

واليوم، تقف محدودية الإمكانات عائقًا أمام تحديد موعد لإعادة افتتاح السينما، بعدما بدد الدمار جزءًا آخر من حلم حاولت الشقيقتان بناءه وسط الحرب.

ورغم ذلك، تتمسك الشقيقتان بأمل عودة "سينما هَوَسْ" من جديد، وتتطلعان إلى أن يتمكن المشروع مستقبلًا من التوسع وخفض تكاليف تشغيله، بما يسمح بتقليل أسعار التذاكر والإبقاء على السينما مساحة مفتوحة أمام الأطفال والعائلات.

WhatsApp Image 2026-08-30 at 12.35.45 PM

 

"اشتقنا نقعد فيها"

كان الطفل زيد أحد رواد "سينما هَوَسْ"، المكان الذي وجد فيه، برفقة أصدقائه وعائلته، مساحة صغيرة للفرح وسط قسوة الحرب، يتذكر عروض أفلام الرسوم المتحركة التي كان يحبها، ويتمنى أن تعود السينما من جديد.

يقول زيد: "كانت السينما حلوة، لكن الاحتلال قصفها.. أتمنى أن ترجع من أول وجديد..اشتقنا نقعد فيها أنا وأصدقائي وعائلتي، ونشاهد أفلام الكرتون اللي بنحبها".

أما الفتاة مريم، إحدى مرتادات السينما، فتستعيد بحسرة اللحظات التي وجدت فيها هي وآخرون متنفسًا بعيدًا عن أهوال الحرب، قبل أن يتبدد ذلك المكان بالقصف.

وتضيف أن "سينما هَوَسْ" لم تكن مجرد مشروع ترفيهي، بل مساحة بسيطة حاولت أن تمنح أطفال غزة وعائلاتهم فرصة للابتعاد، ولو لساعات، عن آثار الحرب وضغوطها النفسية.

وتتمنى مريم عودة السينما إلى الحياة من جديد، واستئناف المشروع الذي منح الأطفال لحظات من الفرح وسط واقع مثقل بالخوف والدمار، مؤكدة أن عودته ستكون بمثابة نافذة صغيرة لاستعادة شيء من الحياة التي سلبتها الحرب من غزة.